معركة حطين الخالدة .. بين المسلمين والصليبيين
583 هـ - 1187 م
( 1 - 4 )
د. كمال علاونه
فلسطين العربية المسلمة
هذه الدراسة جزء من كتاب فلسطين العربية المسلمة ، لمؤلفه د. كمال علاونه ، الذي يدرس بجامعة فلسطين التقنية / طولكرم ، كمساق إجباري ( قضية فلسطينية ) لجميع طلبة الجامعة من درجة البكالوريوس في جميع التخصصات العلمية والإنسانية .
في يومي 24 و 25 ربيع الآخر هـ ( تخليدا لعام 583 هـ ) يتذكر المسلمون ذكرى معركة حطين الباسلة ، ذكرى عزيزة خالدة محفورة في ذاكرة التاريخ الإسلامي ، ذكرى المجدد للإسلام صلاح الدين الأيوبي ، ذكرى الانتصار والبطولة والغلبة على جموع احتلالية إفرنجية غربية صليبية تتذرع بحمل الصليب جاءت من أوروبا لاستعمار المشرق العربي واستمرت في غيها واضطهادها نحو ( 90 عاما هجريا )، قلة قليلة مسلمة تتغلب بعون الله على كثرة كثيرة مستعمرة . وفي ذات الوقت ، في يومي 3 و 4 تموز عام 1187 م ، يتذكر على الجانب الآخر الفرنجة ما جرى لهم من ذل وخيبة وطرد على أيدي جحافل المسلمين في ارض كنعانية - فلسطينية – إسلامية ، في قرية حطين ، قرب طبرية ، البحيرة والمدينة ، بعد ثمانية وثمانين عاما شمسيا، من الاستغلال والاحتلال لمقدرات امة أخرى ، كانت " خير أمة أخرجت للناس " فهل يا ترى استفاد الجانبان الإسلامي والغربي وأحفادهم وأحفاد أحفادهم العبر والعظات ؟ نصر وغلبة لأصحاب الحق ، وقتل وولولة للمحتلين الطارئين ؟
والكثير من الباحثين والدارسين القدماء والحاليين ما زالوا يطرقون ويسبرون غور سر النصر والهزيمة على حد سواء ، فهذه المعركة الفاصلة لها من الأسرار الخفية التي ما فتئت تناقش وتبحث وتستخرج منها العظات والعبر من بطون الكتب ، ومن بطن التاريخ ، على كافة المستويات الأكاديمية والسياسية والعسكرية والفكرية ، وترصد لهذه الأبحاث الميزانيات الاستثنائية والطارئة أو المحددة أحيانا . ونحن هنا في فلسطين ، ارض الإسراء والمعراج ، الأرض المقدسة ، ارض حطين النصر يجب أن لا ننسى هذه الذكرى الخالدة التي انتصر فيها الحق على الباطل " قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " ولنا العبر والعظات المتجددة عبر التاريخ الزمني وعبر الذاكرة الذهنية الإنسانية لنعرف سر النصر والنجاح ، من الإعداد والاستعداد الروحي والإيماني والنفسي والفكري والعسكري ، من تنشئة وإعداد الفرد والجماعة على الجهاد في سبيل الله ، والوحدة والتوحد تحت لواء إسلامي واحد ، وكيفية إدارة المفاوضات السلمية السياسية والجنوح للسلم إذا جنحوا لذلك ، لقطف ثمار النصر العسكري بجميع الاتجاهات والمسارات وغيرها .
وحطين .. هذه القرية العربية الفلسطينية على بعد 9 كم غرب طبرية ، أين هي الآن ؟ لقد دمرها الاحتلال الإسرائيلي في حرب عام 1948 كغيرها من القرى والمدن الإسلامية ، وأخرج أهلها الذين كان عددهم نحو ألف مواطن [1] في محاولة لطمس التاريخ الإسلامي المشرف .. ألا ساء ما يفعلون .
سنحاول تسليط الضوء على ذكريات هذه المعركة الفاصلة بين الحق والباطل ، ذكرى معركة حطين ، معركة اليومين الخالدين ، لعلنا ، نحن أحفاد صلاح الدين الأيوبي ، نسترجع ذكريات النصر والعز والكرامة وتدمير الظلم والظلام بكل ما أوتي الإنسان المسلم من عزيمة وقوة لا تلين ، وإرادة لنيل مرضاة الله سبحانه وتعالى ، واسترجاع المقدسات الإسلامية ، وخاصة المسجد الأقصى المبارك وبيت المقدس ، وسنسعى إلى أن تكون هذه الدراسة الجديدة دراسة مستفيضة بكافة المناحي والصعد الإيمانية والروحية والعسكرية والسياسية والتجديدية ما أمكن ، ونحن في القرن الخامس عشر الهجري ، لهجرة المصطفى محمد نبي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وفي بدايات القرن الحادي والعشرين الميلادي . وسنعمل على استذكار آيات قرآنية مجيدة لشحن النفوس بكهرباء النصر .
1. حياة صلاح الدين الأيوبي
هو يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان الكردي ، ولد لأبوين كرديين ، عام 532 هـ / 1137 م ، في بلدة تكريت في العراق . تبوأ والده يوسف الملقب بنجم الدين منصب حاكم قلعة تكريت العراقية ومحافظا على بعلبك اللبنانية . وقد نشأ صلاح الدين ( يوسف ) في مدينة بعلبك إذ عمل والده زمن نور الدين بدمشق وتربى على الفروسية والنزال والحرب والجهاد وكان حافظا للقرآن الكريم [2] . وصفه القاضي بهاء الدين ، بأنه كان تقيا بعيدا عن المعاصي يخشى الله سبحانه وتعالى ، وقال عنه : " كان رحمه الله خاشع القلب غزير الدمعة إذا سمع القرآن خشع قلبه ودمعت عيناه ، وكان رحمه الله كثير التعظيم لشعائر الدين " . وقال عنه القاضي ابن شداد : " كان إذا سمع العدو قد داهم المسلمين خر إلى الأرض ساجداً داعيا الله سبحانه وتعالى : " إلهي قد انقطعت أسبابي الأرضية في نصرة دينك ولم يبق إلا الإخلاد إليك ، والإعتصام بحبلك ، والإعتماد على فضلك ، أنت حسبي ونعم الوكيل " .
انتقل صلاح الدين إلى مصر في الحملة الأولى على هذه البلاد برفقة عمه أسد الدين شيركوه عام 559 هـ ، وعين وزيرا في سنة 564 هـ / 1169 م وكان عمره 32 سنة ، وأطلق عليه الخليفة الفاطمي العاضد آخر الخلفاء الفاطميين ( 1160 – 1171 م ) لقب الملك ( ملك مصر ) ثم أصبح يحمل لقب الملك السلطان الناصر صلاح الدين . وبعد عامين من توليه الوزارة عمل على إحلال السنة محل الشيعة في مصر ، وتوحيد العرب والمسلمين من العراق إلى بلاد الشام واليمن ومصر وليبيا وسواها ، تحت إمرة الخليفة العباسي المستضئ وأقام الخطبة للخليفة والغى الخطبة للفاطميين والسلاجقة . وفي إعقاب وفاة نور الدين زنكي رئيس صلاح الدين الأيوبي أعلن صلاح الدين استقلال مصر وضم سوريا له .
وفي عام 1175 م أصدر الخليفة العباسي قرارا بإسناد السلطة لصلاح الدين على مصر والمغرب وغربي الجزيرة العربية وفلسطين وسوريا ، وكانت بلاد الحرمين الشريفين ( الحجاز ) قد ألحقت بمصر . أما اليمن فقد تولى حكمها توران شاة اخو صلاح الدين الأكبر ، وبعد نحو عشر سنوات الحق صلاح الدين الموصل والعراق له . وقد تعرض صلاح الدين لمحاولة اغتيال فاشلة من قبل الحشاشين . على أي حال ، بذل صلاح الدين الأيوبي كافة الجهود المخلصة لتوحيد كلمة العرب المسلمين على أسس إسلامية راسخة المعالم والبنيان ، وعمل على إعلاء كلمة الحق والدين الإسلامي فعمد إلى إحياء الجسم الإسلامي الواحد الذي يشد بعضه بعضا كالبنيان المرصوص وتألم لعذاب المسلمين أينما كانوا وحيثما حلوا ، وقضى على الفتن والانقسامات الداخلية من الحشاشين والإسماعيلية في صفوف العرب المسلمين واهتم بالإعداد البشري والمادي لمقارعة المعتدين على الديار الإسلامية في قارتي آسيا وأفريقيا . ومن ضمن اهتماماته العمل على تحرير فلسطين وبيت المقدس والمسجد الأقصى المبارك مهما كلف الثمن بالقضاء على الحملة الصليبية الأولى التي شنها الإفرنج متخذين شعارا براقا وهو الصليب على الصدور والاستيلاء على " أقاليم الكتاب المقدس " وخاصة فلسطين . وفي 22 شعبان 588 هـ / 12 أيلول 1192 م ابرم صلح الرملة بين السلطان الناصر صلاح الدين والملك ريتشارد قلب الأسد ملك إنكلترا ، وحددت مدة الصلح بثلاث سنوات وثلاثة اشهر . وبذلك انتهت الحروب بين الجانبين الإسلامي والصليبي .
وتوفي رمز البطولة والفروسية الإسلامية في عصره ، السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي بمرض الحمى في سنة 589 هـ / آذار 1193 م ، وعمره ( 55 ) سنه ، ودفن في دمشق . وقبره لغاية الآن في العاصمة السورية دمشق .
2. مرحلة الإعداد الإسلامي العام
سار صلاح الدين الأيوبي على خطى ثابتة واضحة المعالم استعدادا ليوم اللقاء والمواجهة يوم الفصل العظيم عندما يحين الحين واضعا نصب عينية : { إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا } [3] . فلم يهن في ابتغاء القوم بل عمل على إعداد العدة بكل ما أوتي من قوة فكان ممن شملتهم بذلك الآية القرآنية : { الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ . الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ } [4] . وقد واصل صلاح الدين الأيوبي عملية الاستعدادات الشاملة في كافة المجالات والميادين ، ولم يغره تقلب الذين كفروا في البلاد ، على النحو التالي :
أولا : الإعداد النفسي والفكري الإسلامي :
القرآن الكريم ، هو الدستور وهو الأساس الذي اعتبره صلاح الدين الأيوبي الحافز لإعلاء كلمة الله في الأرض ، ونشر العدل والمساواة وإحقاق الحق بكافة أشكاله وصوره ، فكان القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي حافظا للقرآن الكريم وداعيا إلى إتباع أوامره واجتناب نواهيه في بوتقة إسلامية شاملة ومتكاملة ، حاثا على الاعتصام بحبل الله المتين ، كما قال البارئ عز وجل : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ . وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [5] . وكان ممتثلا للأحاديث النبوية الشريفة والاستفادة منها في تنظيم شؤون الرعية في كافة المجالات والميادين . وقيل إن صلاح الدين الأيوبي كان يختار أيام الجمع لمقاتلة الأعداء ، بعد صلاة الجمعة الجامعة ، وكان يختار الجنود ممن يصلون ويلتزمون بصلاة الفجر جماعة في المساجد ويقرأون القرآن الكريم ، ويعتبر أنهم من المؤمنين حقا ولديهم الاستعداد النفسي والروحي للجهاد في سبيل الله وهم اقدر على تحمل المهام الجسام . وعندما كان يتفقد خيم جنود الجيش يحثهم على قراءة القرآن ويقول لهم : " من هنا يأتي النصر " ، وعندما كان يدخل خيمة ولا يجدهم يقرأون القرآن الكريم يقول لهم : " من هنا تأتي الهزائم " .
ثانيا : بث روح الجهاد في سبيل الله :
والجهاد في سبيل الله ، ذروة سنام الإسلام ، كان هاجس القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي لنشر الإسلام والقضاء على البدع والفرقة والانقسام ، وتخليص الإسلام والمسلمين من أطماع الطامعين الغربيين . قال ابن شداد عن صلاح الدين ، " كان الرجل إذا أراد التقرب إليه يحثه على الجهاد أو يذكر شيئا من أخبار الجهاد ، وقد ألف له كتب عدة في الجهاد ، وأنا ممن جمع له فيه كتابا … وكان كثيرا ما يطالعه " [6] . فعمل على ترسيخ مفهوم الجهاد في سبيل الله بالقول والفعل بصورة متكاملة ، والجهاد له ترغيب وترهيب ، ترغيب في إتباع مبادئ الإسلام الحنيف وترهيب من التصدي أو الاعتداء على حمى المسلمين أينما كانوا وحيثما حلوا . والجهاد في سبيل الله يشمل ، مجاهدة النفس وحثها على إتباع الإسلام ومجاهدة الشر والطغيان ، والكفار والمحتلين : باليد واللسان والقلب . امتثالا لقول الله تعالى : { وَقَاتِلُوا فِي سَبِي
المزيد