د. كمال إبراهيم علاونه ... فلسطين العربية المسلمة ... لا إله إلا الله  -  محمد رسول الله  ... لا إله إلا الله - محمد رسول الله ... لا إله إلا الله - محمد رسول الله ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... أهلا وسهلا بكم

معركة عين جالوت بفلسطين .. بين المسلمين والتتار

شباط 27th, 2008 كتبها د. كمال إبراهيم علاونه نشر في , فتوحات إسلامية لفلسطين

  معركة عين جالوت بفلسطين .. بين المسلمين والتتار

658 هـ / 1260 م

د. كمال علاونه  

فلسطين العربية المسلمة

هذه الدراسة جزء من كتاب ( فلسطين العربية المسلمة ) لمؤلفه د. كمال علاونه ، الذي يدرس بجامعة فلسطين التقنية بطولكرم ، كمساق جامعي اجباري ( قضية فلسطينية ) لجميع طلبة الجامعة من درجة البكالوريوس في جميع التخصصات العلمية والإنسانية .

==============

في عام 648 هـ / 1250 نشأت في مصر دولة المماليك التي امتدت سيطرتها فيما بعد إلى بلاد الشام حيث استمر حكمهم لبلاد الشام حتى ظهور الخلافة العثمانية  922 هـ / 1516 م ومصر حتى 923 هـ / 1517 م وهو تاريخ نصر العثمانيين وتوليهم زمام الحكم في المنطقة . وقد تبع المماليك سياسة صلاح الدين الأيوبي في الاهتمام بفلسطين وحمايتها من الغزو الأجنبي . فقد احتل الملك الظاهر بيبرس البندقداري ارسوف وقيسارية وصفد ويافا وقلعة القرين ، بينما استولى الناصر قلاوون على المدن الساحلية السورية وطرابلس . على أي حال جاءت عملية إجلاء الصليبيين نهائيا زمن الملك الأشرف خليل بن قلاوون حينما احتل عكا عام 690 هـ / 1291 م . كما احتل المغول ( التتار ) بغداد عاصمة الخلافة العباسية عام 656 هـ / 1258 م ، وعاثوا فيها حرقا وتدميرا وفسادا ، قتلوا مئات الآلاف من المسلمين ( نحو مليون مسلم )، فأنهوا الخلافة العباسية ثم احتلوا دمشق وإتجهوا جهة الجنوب نحو فلسطين . فلاقاهم في فلسطين ملك مصر المظفر قطز بمعاونة الأمير بيبرس محققا نصرا مجلجا على التتار في معركة حامية في عين جالوت [1] قرب بيسان على منحدر يصل لسهل مرج ابن عامر شمال الأغوار الفلسطينية  عام 658 هـ / 1260 م  .

 معركة عين جالوت ( بيسان – فلسطين )

      بعد دخول المغول الصين ، استعدوا لشن هجوم عسكري على المسلمين ، حيث كانت عاصمة الخلافة العباسية في بغداد ولم يكن الخليفة يسيطر فعليا إلا عليها ، بينما انسلخت ولايات الخلافة عن المركز ، وانتشرت الممالك المتحاربة فيما بينها في أوصال الدولة الإسلامية ، فمثلا حكم المماليك مصر .

     عام 1253 م توجه هولاكو حفيد جنكيز خان وتحت إمرته جيشا مغوليا كبيرا لغزو الخلافة العباسية في بغداد ، فبعث إلى الخليفة المستعصم ( 1242 – 1258 م ) دعوة يطالبه فيها بمعاونته في شن هجوم على الحشاشين من فرقة الإسماعيلية فلم يستجب له . وفي عام 1256 احتل المغول عدة قلاع مركزية للحشاشين . ثم طلب هولاكو من الخليفة المسلم التسليم له وهدم سور بغداد الخارجي فلم يجبه الخليفة وأخذ يراوغه . وفي كانون الثاني 1258 شن هولاكو هجوما بالمنجنيق على بغداد ففتح ثغرات في السور ولم يشعر أهل بغداد إلا والمغول على السور الداخلي . وفي 10 شباط خرج الخليفة و300 من حاشيته مستسلمين لهولاكو حيث أمر بقتله بعد عشرة أيام بعد قتل حاشيته ، وعمل المغول على قتل المسلمين ببغداد وكثرت أعمال النهب والتمثيل بما في ذلك أسرة الخليفة مدة أربعين يوما . وفي عام 1260 توجه هولاكو إلى شمالي سورية مهددا ومتوعدا فاحتل حلب وقتل خمسين ألفا من أهلها ، ثم دخل حماه ثم احتلت قواته معظم المدن السورية . وفي عام 1260 م ، تصدى المماليك للمغول بقيادة الظاهر بيبرس أحد قادة جيش سلطان المماليك سيف الدين قطز عند عين جالوت ( الجالود ) قرب بيسان بفلسطين فهزم المماليك المغول شر هزيمة [2] . وقال لهم قائدهم المسلم : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ . إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِ

المزيد


معركة حطين الخالدة .. بين المسلمين والصليبيين ( 4 - 4 )

شباط 27th, 2008 كتبها د. كمال إبراهيم علاونه نشر في , فتوحات إسلامية لفلسطين

 معركة حطين الخالدة .. بين المسلمين والصليبيين 

583 هـ / 1187 م

( 4 - 4 )

د. كمال علاونه

فلسطين العربية المسلمة  

هذه الدراسة جزء من  

كتاب فلسطين العربية المسلمة ، لمؤلفه د. كمال علاونه ، الذي يدرس بجامعة فلسطين التقنية / طولكرم ، كمساق إجباري ( قضية فلسطينية ) لجميع طلبة الجامعة من درجة البكالوريوس في جميع التخصصات العلمية والإنسانية .

 10. فاتحو بيت المقدس

      بيت المقدس عامة والمسجد الأقصى المبارك خاصة لهما مكانة وأهمية خاصة في الإسلام ، فالمسجد الأقصى كان القبلة الأولى للمسلمين ، وهو ثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين ، وارض إسراء ومعراج الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العلى ، والوصول برفقة الملك جبريل عليه السلام إلى السماء السابعة عند سدرة المنتهى ، وفرض الله الصلوات الخمس على أمة الإسلام ، أمة الهدى . والصلاة في المسجد الأقصى المبارك لها ثواب مضاعف وجزيل كما أخبرنا المصطفى محمد  رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : " صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ بِصَلَاةٍ وَصَلَاتُهُ فِي مَسْجِدِ الْقَبَائِلِ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُجَمَّعُ فِيهِ بِخَمْسِ مِائَةِ صَلَاةٍ وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ وَصَلَاتُهُ فِي مَسْجِدِي بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ " [1] . وأهل بيت المقدس ، في جهاد ورباط في سبيل الله إلى يوم القيامة ، وسيبقون على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُمْ ؟ قَالَ : بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ "  [2]  . فتح المسلمون بيت المقدس، أو القدس الشريف كما تسمى فلسطينيا وعربيا الآن ، مرتين : المرة الأولى : زمن الخليفة الراشدي الفاروق عمر بن الخطاب ، عام 15 هـ / 636 م ، ومنح أهل إيلياء الأمن والأمان الإسلامي فيما سمي ب " العهدة العمرية " .  والمرة الثانية زمن السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي ، حيث دخلت الجيوش الإسلامية بيت المقدس ، المدينة الإسلامية التي اتخذها الفرنجة عاصمة لمملكتهم ، بعد حصار استمر خمسة أيام ، بصلح أيضا واستسلام من قبل أعداء الأمة ، دخلت الأقصى المبارك وعلى رأسها القائد الفذ الموحد للأمة الإسلامية  تحت راية ( لا إله إلا الله     محمد رسول الله ) ، في يوم الجمعة في 27 رجب 583 هـ ذكرى الإسراء والمعراج الإسلامية الخالدة عبر التاريخ الموافق 2 تشرين الأول 1187 م ، مؤكدا التسامح الإسلامي قائلا للفرنجة المحتلين الذين استسلموا : " لكم الأمان على أموالكم وأنفسكم ، تخرجون من أبواب المدينة تحت سيفي فقد أقسمت أن افتح المدينة عنوة بالسيف ، وعلى كل خارج منها أن يفتدي نفسه بعشرة دنانير " . وعن هذا النصر يقول ابن الأثير : فأزيح شعار الحملة الصليبية الاستعمارية من على رأس قبة الصخرة المشرفة الإسلامية ( صليب مذهب )، ودوى الأذان الإسلامي في سماء المسجد الأقصى المبارك وبيت المقدس من جديد ، وكبر المسلمون تكبيرة مجلجلة وبصوت واحد " الله اكبر  ، الله اكبر  " ودخل الفاتح  صلاح الدين الأيوبي بطل معركة حطين ، المسجد الأقصى في 9 تشرين الأول 1187 م بعد أن نظف المسلمون الأرض وباحات الأقصى ورشوه بماء الورد [3] ،  فرحا وابتهاجا لإزاحة كابوس احتلالي جاء من أوروبا لاستغلال الأرض العربية واضطهاد أمة عربية سامية خالدة  ونهب مقدراتها وطمس حضارتها المجيدة .. فأعيد الحق إلى نصابه ، بعد جهد جهيد ، بالحسنيين معا : شهادة ونصر ، نصر وشهادة ،  مدوية في الآفاق فوق ثرى أرض الإسلام في وسط الأرض المقدسة في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس . فرق كبير بين يوم احتلال بيت المقدس من قبل الفرنجة عام 1099 م ويوم تحريرها من قبل صلاح الدين الأيوبي عام 1187 م ،  في يوم الاحتلال الصليبي عمل الجند المحتلين تقتيلا في المسلمين في المسجد الأقصى المبارك حيث قتلوا ما يربو عن سبعين ألف مسلم خلال أسبوع . ويوم الفتح الإسلامي الثاني لبيت المقدس زمن صلاح الدين ، لم ترق فيها نقطة دم واحدة بعد عهد الأمن والأمان الصلاحي ،  إنه الفرق بين سماحة الإسلام ،  وغدر الكفر والطغاة .

 11. صلاح الدين في المسجد الأقصى

جَمعة وجُمعة المسجد الأقصى المبارك

      وفي 4 شعبان 583 هـ / 9 تشرين الأول 1187 م صلى صلاح الدين صلاة الجمعة في المسجد الأقصى وطلب من القاضي محي الدين محمد بن زكي الدين القرشي أن يخطب في الجمعة . وكان طلب صلاح الدين الأيوبي من الفرنجة الصليبيين مقابل الأمن والأمان لهم كشرط من شروط الصلح أن يفتدي كل منهم نفسه بعشرة دنانير ، وكان عدد المقاتلين الفرنجة في المدينة نحو ستين ألف شخص . فعجز ثلاثة آلاف منهم عن الدفع ، فطلب منه شقيقه العادل أن يخلى سبيل ألف شخص ، فاستجاب له وتدخل البطريرك هرقل بطريرك اللاتين لفئة أخرى فعفا عن سبعمائة شخص آخر وباليان الغادر ( قائد المدينة الإفرنجي  ) منحه صلاح الدين خمسمائة آخرين  ثم أطلق سراح الباقين غير المقتدرين من الأرامل واليتامى والعجائز والكبار في السن ، وجاءت نساء بعض الأسرى يستوهبن ازواجهن فوافق كرما لدموعهن ، وقال : أنا شفيع هؤلاء ،  اذهبوا فأنتم الطلقاء ، طلقاء ولكن من نوع جديد ،  وزمن آخر ،  ودفع عنهم الفدية من خزائنه  [4] . على أي حال ، أعاد صلاح الدين الأيوبي بناء ما دمر من سور مدينة القدس عند فتحها عام 1187 م ، ثم رممه الملك العادل . إلا أن البناء الحالي لسور القدس يرجع للسلطان العثماني سليمان القانوني حيث استمرت عملية البناء خمسة أعوام انتهت عام 943 هـ - 947 هـ / 1531 م – 1536 م . وتذكر كتب التاريخ أن أقدم بناء لسور يبوس هو الذي بناه الملك العربي اليبوسي – الكنعاني ( ملكي صادق ) قبل قيام مملكة داود عليه السلام بعشرين قرنا من الزمن [5] .

     وبعد تحرير بيت المقدس ، لم يبق للصليبيين إلا إنطاكية وطرابلس وصور وبعض المدن والقلاع الصغيرة وقبرص في البحر الأبيض المتوسط ، فكانت معركة حطين فاتحة فتح وخير على العرب والمسلمين جميعا .  الأمر الذي حدا بملوك أوروبا الثلاثة ، فردريك بربروسا إمبراطور ألمانيا ، ورتشارد قلب الأسد ملك إنكلترا وفيليب أغسطس ملك فرنسا ، بتجريد الحملة الصليبية الثالثة ( 1189 – 1192 م ) لمحاربة صلاح الدين . وقد وقع صلح الرملة بين صلاح الدين الأيوبي وريكاردوس عام 588 هـ / 1192 م بموجه تم :

1.      جعل القدس بيد المسلمين مع السماح للنصارى بالحج إليها دون دفع ضرائب .

2.      احتفاظ الصليبيين الفرنجة بالجزء الساحلي بين عكا ويافا .

3.      يبقى الساحل من عسقلان حتى الجنوب بيد المسلمين .، وبقيت عسقلان خرابا .

4.       جعلت اللد والرملة مناصفة بين المسلمين والصليبيين .

ثم توجه صلاح الدين الأيوبي من فلسطين إلى دمشق حيث توفي في السنة التالية ودفن جثمانه قرب الجامع الأموي بدمشق عام 589 هـ / 1193 م .

      والعبرة المستفادة من هذين الحدثين الجليلين ، فتح بيت المقدس ، بالإسلام وذروة سنامه ، الجهاد في سبيل الله ، ونؤكد على كلمة الإسلام ، والإسلام وحدة ، ولا نظام أو دعوة سواه ، فالإسلام الحنيف هو القادر على تجميع أبناء الأمة ، تحت راية الإخوة الإيمانية والتعاون والوحدة والعدل والمساواة والإيثار ، فالإسلام يقود من نصر إلى نصر لهذه الأمة من عرب ومسلمين ، لا فرق بين عربي وأعجمي ، و " إن أكرمكم عند الله اتقاكم "  ، وما عدا ذلك " لا يسمن ولا يغني من جوع " في كافة المجالات الفكرية والسياسية والدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية ، العاجلة والآجلة ، ما جاء منها وما بقي منها في عالم الملك والملكوت الإلهي والغيب ، عند الله سبحانه وتعالى ، عالم الغيب والشهادة ، ولا يطلع على غيبه أحدا . على العموم ، أخرج الصليبيون من مدينة القدس إثر معركة حطين عام 1187 م ثم عاد الصليبيون الفرنجة للمدينة المقدسة عام 1229 م بعد تسليمها لهم من الملك الكامل بن أيوب بسبب اختلال موازين القوى بين المسلمين والفرنجة الأوروبيين لصالح الفرنجة ، إلى أن حررها مرة ثانية من الصليبيين الفرنجة الملك الناصر عام 1239 م . ثم أعاد هذا الملك تسليمها للصليبيين عام 1243 ثم حررها نهائيا عام 1244 م الملك الأيوبي نجم الدين أيوب . وقد شهدت م


المزيد


معركة حطين الخالدة .. بين المسلمين والصليبيين ( 3 - 4 )

شباط 27th, 2008 كتبها د. كمال إبراهيم علاونه نشر في , فتوحات إسلامية لفلسطين

   معركة حطين الخالدة .. بين المسلمين والصليبيين

583 هـ / 1187 م

( 3 - 4 )

د. كمال علاونه

فلسطين العربية المسلمة

هذه الدراسة جزء من  

كتاب فلسطين العربية المسلمة ، لمؤلفه د. كمال علاونه ، الذي يدرس بجامعة فلسطين التقنية / طولكرم ، كمساق إجباري ( قضية فلسطينية ) لجميع طلبة الجامعة من درجة البكالوريوس في جميع التخصصات العلمية والإنسانية .

ملاحظة : يرجى قراءة الجزء الثاني من ( معركة حطين .. بين المسلمين والصليبيين ) ( 2 - 4 ) .

 9. تخطيط المسلمين في حطين

      يرجع لتخطيط المسلمين من تكتيك واستراتيجية عسكرية وإيمانية النصر المبين . فلقد زلزل الجيش الإسلامي يومي الجمعة والسبت  24 و25 ربيع الآخر 583 هـ /  3 و 4 تموز 1187 م ، رغم قلة عدده ، زلزل أقدام المحتلين الصليبيين ، وجعل السماء تموج بالدخان عن أيمانهم وشمائلهم ومن إمامهم وخلفهم .. من كل ناحية ، فكانت كما قال الله عز وجل في محكم كتابه العزيز : { إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا . وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا . وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا . يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا } [1]  .  

     نعم لقد حدثت الأرض أخبار معركة حطين بأحرف من نار ونور ، بأحرف من نار على قلوب ونفوس الطامعين الحاقدين الغادرين ، وبأحرف من نور يتلألأ فوق جباه المجاهدين والشهداء المسلمين في كل زمان ومكان ، فكانت هذه المعركة مضربا للأمثال في العزة والنخوة والتضحية والفداء من اجل إنقاذ المسلمين المظلومين .. الذين استغاثوا .. واإسلاماه .. واإسلاماه .. من أرناط رأس الشر والمفسدين ، إنقاذهم من براثن الغدر والخيانة الحاقدة من أناس دنسوا المقدسات وعاثوا في الأرض العربية فسادا وإفسادا في كل ناحية ومن كل حدب وصوب وتعرضوا لقوافل الحجاج المسلمين المتوجهين لمكة المكرمة لأداء فريضة وركن أساسي من أركان الإسلام الخمسة ، فدارت عليهم دائرة السوء ، " وعلى نفسها جنت براقش " . وقد استخدم المسلمون في هذه المعركة غير متكافئة العدد والعدة ، عدة أساليب جعلتهم ظاهرين ولعدوهم قاهرين ، فدق المسلمون طبول الحرب وكبروا وهللوا ، مستلهمين قول الله تعالى : { فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ . فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ . عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ } [2]  ،   ومن أبرز هذه الطرق :

أولا : التخطط الحربي الشامل : مناوشات وهجوم ليلي ، سيوف ونبال ورماح ورجم بالحجارة  وغيرها من الأسلحة المتاحة  وتوزيع ميادين المعركة في الساحل الفلسطيني وقرب طبرية وجنوب البلاد .

ثانيا : السيطرة على المياه : حال المسلمون  دون وصول الصليبيين إلى مياه بحيرة طبرية ، { قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ } [3]  .  وما أشبه ذلك اليوم ،  يوم حطين ، بيوم بدر ، حيث سيطر المسلمون على ينابيع المياه وحرموا منها الأعداء وقالوا للمشركين وللصليبيين : قل موتوا بغيظكم أيها المحتلون الصليبيون يا من أتيم من أوروبا لاستعمار بلاد العرب والمسلمين . فحاول الكفار المحتلين الاستيلاء على المياه للشرب منها ونادوا المسلمين أنهم ظمأى ويريدون الشرب فرفض المسلمون ذلك الطلب   ،  ولسان   حال الجانبين يقول : { وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ  } [4]  .

ثالثا : القتال بعد صلاة الجماعة : لتحريض وحث المؤمنين على القتال وتحبيذ الشهادة في سبيل الله ، دفاعا عن الإسلام ودفاعا عن النفس والأهل والأمة .

رابعا :وجود القيادة وسط المعركة :فوجود القائد وسط الجند المجاهدين يثير فيهم النخوة والشجاعة والهمة لملاقاة الأعداء فهو وسطهم ويمكن أن يتعرض للاستشهاد مثله مثل أي جندي من جند الإسلام .

خامسا : طاعة أولي الأمر : بالامتثال لتعليمات القيادة السياسية والعسكرية ، فهذه المسالة من الأمور المهمة لاستجلاب النصر على الأعداء ، فالقائد يجب أن يطاع ، وواجب القائد في المعركة استشارة أهل الخبرة والدراية للوصول إلى معطيات النصر .

سادسا : إشعال النيران الكثيفة : حيث تم إشعال النيران ذات الألسن الملتهبة في الحشائش والأعشاب والأشواك ، تحت أقدام الصليبيين الفرنجة ، وأمام خيولهم التي هلكت وهلكوا معها ، فكانت النار { كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ . كَغَلْيِ الْحَمِيمِ } [5]  .  وقد هبت رياح شديدة تجاه الفرنجة المحتلين فكانت كأنها ريحا صرصرا عاتية ، فلفحت النار وجوههم  فكانت { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ . عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ . تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً } [6]  .  وكان لهذا الدخان الناجم عن هذه النار الموقدة والذي لم يرتقبوه في الأرض عذابا فوق عذاب ، فقطع عنهم الأوكسجين الضروري للحياة فأعمى عيونهم وأرهقهم صعودا ، وغشيهم عذاب أليم ، وبطش فيهم المسلمون البطشة الكبرى { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ . إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ . وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ . ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ . فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ } [7] ، وانزلوا أصحاب المشئمة  في أسفل سافلين ، وتم إعلاء كلمة الحق والدين الإسلامي العظيم ، فكانت هذه النار لظى نزاعة للشوى على الكافرين ، كما جاء في القرآن المجيد : { نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ . الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ . إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ . فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ }  [8]  .

     على العموم ، كانت النار التي أشعلها المسلمون في حطين فلسطين ، نارا ذات وقود ، الصليبيون عليها قعود جزاء  بما غدروا وافسدوا في الأيام الخالية ، ومنعوا المسلمين في المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة  من العبادة والسجود لله الواحد الأحد المعبود . فكان ، { لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } [9]  .  وعلى الجانب الآخر ، كانت النار بردا وسلاما على المسلمين إذ أن حركة الريح وجهتها باتجاه الظالمين الفرنجة  ، فكما قال الرسول الكريم إمام وخاتم الأنبياء والمرسلين ، في الحديث النبوي الشريف : " عينان لا تمسهما النار : عين بكت من خشية الله ، وعين باتت تحرس في سبيل الله "[10]. وقد حارب المسلمون محاربة الأبطال ، المجاهدين في سبيل الله وقاتلوا أولياء الطاغوت الإفرنجي الغربي ، مستندين إلى نصر الله لهم : { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ . ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [11]  . وكانت نفسيات الصليبيين مشتتة ، والخلافات مستعرة لأنهم خاضوا هذه المعركة مع المسلمين ، فهم لا يواجهون المسلمين وجها لوجه ، فحاولوا الهرب والإدبار، كما قال الله العزيز الجبار : { لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ } [12]  .

     وبعد اخذ ورد ، فر وكر ، وهجوم وتراجع ، أنهكت قوى الصليبيين المحتلين ، فتراجعوا القهقرى ، ولات حين مناص ، ساروا على طريق الهرب من ساحة الوغى فكان هذا اليوم مثل : { يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } [13]  . فحاولوا نصب خيامهم في مناطق بعيدة عن ساحة الوغى ، فلم يستطيعوا حيث كان لهم المسلمون المجاهدون في سبيل الله بالمرصاد ، وقالوا لهم ،  فأين تذهبون ؟ ونصبت الخيمة الحمراء لملك الفرنجة غاي ، فسيطر عليها المسلمون والقوها أرضا ، واستولوا على خشبة الصليب المقدس ، وانهارت معنويات الصليبيين في لحظة حسم المعركة الأخير ، فجثوا على الأرض مغشيا عليهم من التعب والإنهاك وشدة الظمأ ، فكان ظمأ للماء وظمأ للاستسلام ، والمسلمون يتابعونهم .. إنها الحرب الضروس .. إما قاتل أو مقتول .. استسلم قادة الصليبيين وفر بعضهم ..استسلم الملك غاي ورفيقه رينالد ( أرناط ) ومقدم الداوية ( فرسان الهيكل ) وصاحب جبيل ، وهمفري صاحب تبنين وغيرهم [14] . وكما قال الله تعالى : { وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا } . ووضعت الحرب أوزارها :  آه ، آه ، لقد سقطت مملكة الفرنجة وجردت من سطوتها وظلمها .. وهم على قرني طبرية الأجردين ، بعد انهيار الخيمة الحمراء الملكية . وأورث الله النصر المبين ، في حطين فلسطين ، لعباده الأتقياء الصالحين بعد أن كان يحتلها الفرنجة المحتلين ، فاستبدلهم الله بالقوم المؤمنين  ، قال  الله سبحانه وتعالى : { كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آَخَرِينَ . فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ } [15]  . وبعد المعركة ، معركة حطين ، التي فُرق فيها كل أمر عسكري وسياسي حكيم ، جلس المجاهدون المسلمون للراحة والتقاط الأنفاس ودفن جثامين الشهداء الطاهرين في الألحاد المنبعثة منها رائحة طيبة هي رائحة المسك ، وموارة جثث القتلى من الصليبيين في الحفر التي استحالت إلى واقع جديد كأنها خشب مسندة ، لتحاشي العفن والتعفن وانبعاث الرائحة الكريهة ، قعدوا في تلك البقعة من الأرض الإسلامية . وتناولوا الطعام والشراب ، وقرأ عليهم قائدهم نص الآية القرآنية : { قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ . كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ } [16] . فجزاهم الله بما صبروا نصرا وظهورا . وكانت فاكهة الصيف وظلت الخيم والجلوس تحت الشجر المثمر : { وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا } [17]  .

     وجلس صلاح الدين الأيوبي ، فارس وقائد المعركة التي زلزل فيها عرش المملكة اللاتينية الإفرنجية في بيت المقدس الإسلامية ، جلس في خيمته ، وأعطى القائد الصليبي غي دي لوزنيان إناء فيه ماء باردا مثلجا ممزوجا بالكافور وأسقاه بيده ، وهي كناية عن عدم الرغبة في قتله ، وبعد أن شرب لوزنيان .. خطف ارناط قربة الماء من أخيه الملك الأسير غي دي لوزنيان ليشرب فشرب  وظن أنه " كأسا دهاقا "  فتحولت عليه غما ومقتلا  لم يحسب لهما حساب { إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا . لِلطَّاغِينَ مَآَبًا . لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا . لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا . إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا . جَزَاءً وِفَاقًا . إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا . وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا . وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا . فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا } [18]  . وعند ذلك قال له الناصر المنتصر

المزيد


معركة حطين الخالدة .. بين المسلمين والصليبيين ( 2 - 4 )

شباط 27th, 2008 كتبها د. كمال إبراهيم علاونه نشر في , فتوحات إسلامية لفلسطين

 معركة حطين الخالدة .. بين المسلمين والصليبيين 

583 هـ / 1187 م

( 2 - 4 )

د. كمال علاونه

فلسطين العربية المسلمة

ملاحظة هامة :يرجى قراءة الجزء الأول أولا ( معركة حطين الخالدة .. بين المسلمين والصليبيين ) ( 1 - 4 ) .

هذه الدراسة جزء من  

كتاب فلسطين العربية المسلمة ، لمؤلفه د. كمال علاونه ، الذي يدرس بجامعة فلسطين التقنية / طولكرم ، كمساق إجباري ( قضية فلسطينية ) لجميع طلبة الجامعة من درجة البكالوريوس في جميع التخصصات العلمية والإنسانية .

     واستولى على طبرية بعد حصار دام ستة أيام ،  وعسكر بثغر ( الأقحوان أو الأقحوانة ) لمدة خمسة أيام يتفقد مواقع القتال ويسمع آراء أمراء الجيش الإسلامي ، وقد أحاط الجيش في هذه الفترة ببحيرة طبرية [1] ، واستولى عليها وبقيت قلعة طبرية تحت سيطرة الصليبيين فاستنجدت ايشيفا الصليبية زوجة ريمون حاكم طرابلس بالفرنجة فأشار زوجها ريمون على الصليبيين بأنه لا يؤيد توجه الجيوش الصليبية إلى طبرية ولا يرضى بتدمير هذه الجيوش وقال إذا سيطر المسلمون على القلعة فماذا عساه أن يفعل  وأوضح أن المسلمين إذا سيطروا على القلعة فلن يستمروا فترة طويلة في منطقة طبرية بعد عملية حرقها وتخريبها . وأصدر القائد صلاح الدين أوامره إلى بعض الأجنحة البرية العسكرية الإسلامية بالعمل على فتح جبهة أخرى ضد بارونية الكرك والشوبك لتشتيت جهود الصليبيين في عدة معارك جانبية [2] . وطلب من ابنه الأفضل مهاجمة عكا فدعا ابنه الأفضل القائد المسلم مظفر الدين كوكبري وحثه على التصدي لبعض الفرق الصليبية فالتقى بهم عند منطقة صفورية وأبلى فيها جند الإسلام بلاء حسنا وقتلوا قائد الإسبتارية .

5. الجيش الصليبي الإفرنجي  .. ويوم الخروج

      على الجانب الآخر ، خرج الصليبون في يوم الخروج المحدد لهم ، كما قال الله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } [3]  . فتجمعت القوات الصليبية من الفرنجة عند صفورية وأوقدوا نار الحرب ، وتشاور القادة الصليبيون الغزاة وقرروا الهجوم على الجيش الإسلامي وتسيير قواتهم نحو طبرية حيث ترابط القوات الإسلامية ، وقد حشد الفرنجة الصليبيون جنودا يقدر عددهم بخمسين ألف جندي من المقاتلين والفرسان [4] ، فأعجبتهم كثرتهم فلم تغن عنهم هذه الكثرة من الله شيئا ، ونصب الفرنجة الصليبيون هيئة أركان لجيوشهم ضمت غي لوزنيان ملك المملكة اللاتينية في بيت المقدس وريموند الثالث ( القمص ) حاكم طرابلس وطبرية ( وكانت طبرية من أملاك زوجة القمص الكونتيسية ايشيفا ) وأسقف عكا ، واحضروا صليب الصلبوت ( وهو خشبة الصليب المقدس ) وكانت النية الاستعمارية الصليبية هي العمل الحثيث للقضاء على الجيش الإسلامي وصلاح الدين الأيوبي بصورة نهائية . ورغم معارضة ريمون القمص لتوجه الجيش الصليبي الإفرنجي إلى طبرية بعد إتهامه بأنه لا يريد الحرب مع المسلمين ( والخيانة )، أقنع جيرالد  مقدم الداوية الملك ( غاي ) بضرورة توجه الجيش نحو طبرية ، وجيرالد هو صاحب الفضل في تنصيبه ملكا على المملكة اللاتينية ، فنادى المنادون بضرورة توجه الجيش فجرا للقاء الجيش الإسلامي  عن طريق الشمال . وتشكلت قيادة الجيش الصليبي كما يلي : مقدمة الجيش يقودها ريمون كونت طرابلس ، كونه حاكم طبرية ، وقلب الجيش يقوده الملك غاي ، ومؤخرة الجيش يقودها رينالد شاتيون ( أرناط ) وفرسانه [5] .

 6. يوم الحشر للصليبيين الفرنجة

      زحفت جموع الفرنجة بإشارة من جيرالد ( جيرار ) قائد فرسان الداوية أو ما يطلق عليهم ( فرسان الهيكل ) : { كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ } [6]  ، زحفوا  باتجاه الجيش الإسلامي في طبرية ، في اليوم الموعود ، وبهذا فان القوات المستعمرة جاءت لحتفها . وأوقدوا نار الحرب ليلا ، فأطفأها الله ، قال تعالى : { كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } [7]  ، فساء ما كان يعملون . فدعا داعيهم إلى شيء نكر : { فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ } [8]  ، إذ دعا لمقاتلة المسلمين الموحدين بعبارة لا إله إلا الله   محمد رسول الله ، هذه الثلة التي تسعى لنشر الدعوة الإسلامية وعبادة الله في الأرض ، فأحال الله على الصليبيين الكفار ذلك اليوم وجعله يوما عسرا . وتخيلوا أنهم سينتصرون على المسلمين : { أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ . سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ . بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ . إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ . يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ . إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ . وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ . وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } [9]  .

7. يوم الخروج الإسلامي

      لقد نقلت عيون صلاح الدين له عملية تحرك الجيش الصليبي بإتجاه طبرية ففرح كثيرا لأن منطقة طبرية شديدة الحرارة ، { فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ } [10]  . فاستشار صلاح الدين مساعديه ، وفق مبدأ الإسلام : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ . إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ } [11] .  وتم الاتفاق على الخروج الإسلامي وملاقاة الفرنجة الصليبيين في 17 ربيع الآخر 583 هـ بعد صلاة الجمعة ، وعقب القائد صلاح الدين الأيوبي ، على ذلك قائلا : " جاءنا ما نريد ونحن أولو بأس شديد وإذا صحت كسرتهم ، فطبرية وجميع الساحل ما دونه مانع ولا عن فتحه وازع " [12] ،  فحاصر طبرية ستة أيام وأطبق عليها . ووضع صلاح الدين  خطة عسكرية ، حكيمة بالغة ، تقضي بتوجه معظم القوات الإسلامية إلى المرتفعات في  قرية حطين على بعد خمسة أميال غربي بحيرة طبرية فأغلقت الطريق الموصلة إلى طبرية ، وبقيت قوة صغيرة  في منطقة طبرية .

     نظم صلاح الدين الأيوبي الجيش الإسلامي البالغ عدده 12 ألف جندي ، بما فيهم  رماة السهام النشاب ( الجاليشية ) وعددهم أربعمائة رام للسهم [13] ، كما يلي : ميمنة الجيش : بقيادة تقي الدين عمر ، ميسرة الجيش بقيادة مظفر كوكبري صاحب حران ، قلب الجيش الإسلامي بقيادة صلاح الدين نفسه برفقة بدر الدين دلدرم ( على عسكر حلب ) وصارم قايماز النجمي على عسكر دمشق [14] . وقال لهم :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ . وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ } [15]  . وتمركزوا في قرية حطين وهي قرية عربية فلسطينية غزيرة المياه وغنية بالمراعي ، فالماء ضروري للحياة للجند والخيول والعشب ضروري للخيول والماشية المرافقة للجيش الإسلامي ، وحرمان الصليبيين من المياه أمر ضروري لإنهاك قواهم في شهر تموزي حار ملتهب من  فصل الصيف .

 8. يوم حطين المشهود .. يوم الواقعة

      عند بزوغ فجر يوم الجمعة  24 ربيع الثاني 583 هـ / 3 تموز 1187 م ، حان موعد الاستعداد للنزال والجدال والفروسية ، فتدفقت الجموع الصليبية المشتركة ووصلت بعد ظهر يوم الجمعة إلى سطح جبل طبرية خلف لوبيه ، عند " قرني حطين " ، والقرنان كل منهما على ارتفاع حوالي 30 مترا ، وكانت القوات الصليبية الإفرنجية عطشى خائرة القوى ، بسبب المسيرة الطويلة وارتفاع درجات حرارة الطقس ، إذ أن الوقت كان شهر تموز من فصل الصيف الحار والوقت ظهرا ، ولجأت القوات الصليبية للنوم فوق الهضبة بعيدا عن مرابطة قوات المسلمين ، بأعداد كبيرة { لقد أحصاهم وعدهم عدا } [16]  ، متساقطة كتساقط أوراق الشجر في فصل الخريف ، فتحول الصيف خريفا للأجساد الإفرنجية في غير أوانه ، وأثناء ذلك ، صلى المسلمون صلاة الجمعة ، وانتشروا في مواقعهم استجابة لقول الله العزيز : { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [17]  .  فواصل المسلمون قراءة وتلاوة القرآن الكريم سرا وجهرا بأصوات مرتفعة بخشوع وتدبر كبيرين ، سجودا وقياما وقعودا وعلى جنوبهم  ، ورددوا عبارات التكبير الخالدة وكأنهم في صلاة دائمة متواصلة ليلا ونهارا .. الله اكبر .. الله اكبر ، فبدت بشائر النصر تلوح في الأفق ، وأوجس الفرنجة خيفة كبرى من المسلمين . وعند ظهور الخيط الأسود من الليل ، وفي ظلام تلك الليلة المشهودة ، ليلة السبت ، أصدر القائد صلاح الدين الأيوبي التعليمات والإرشادات العسكرية إلى الجند المسلمين .. على بركة الله ،  داعين الله أن يهب لهم النصر وان يهزم الكفار قائلين : { رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ . رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [18] .

 التقاء الفئتين للقتال .. يوم الجمع

      { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ . قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ } [19]  . وفي يوم السبت 25 ربيع الآخر 583 هـ / 4 تموز 1187 م حاصر الجيش الإسلامي القوات الصليبية وعندما برزوا لقتالهم : { قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ } [20] . وهاجموا القوات الصليبية ، ودنا بعضهم من بعض ، وسلوا سيوف الله المسلولة ، واحرقوا الأعشاب والأشواك البارزة فوق هضبة طبرية ، فسلقوهم وانتشرت النار في الهشيم ، هشيم الأعشاب وهشيم القوات الصليبية .. لا فرق .. كله هشيم في هشيم ، وتعالت سحب الدخان في سماء المنطقة فأصبحت كا


المزيد


معركة حطين الخالدة .. بين المسلمين والصليبيين ( 1 - 4 )

شباط 27th, 2008 كتبها د. كمال إبراهيم علاونه نشر في , فتوحات إسلامية لفلسطين

 معركة حطين الخالدة .. بين المسلمين والصليبيين

583 هـ - 1187 م

 ( 1 - 4 )

د. كمال علاونه

فلسطين العربية المسلمة

هذه الدراسة جزء من كتاب فلسطين العربية المسلمة ، لمؤلفه د. كمال علاونه ، الذي يدرس بجامعة فلسطين التقنية / طولكرم ، كمساق إجباري ( قضية فلسطينية ) لجميع طلبة الجامعة من درجة البكالوريوس في جميع التخصصات العلمية والإنسانية .

     في يومي 24 و 25 ربيع الآخر هـ ( تخليدا لعام 583 هـ )  يتذكر المسلمون ذكرى معركة حطين الباسلة ، ذكرى عزيزة خالدة محفورة في ذاكرة التاريخ الإسلامي ، ذكرى المجدد للإسلام صلاح الدين الأيوبي ، ذكرى الانتصار والبطولة والغلبة على جموع احتلالية إفرنجية غربية صليبية تتذرع بحمل الصليب جاءت من أوروبا لاستعمار المشرق العربي واستمرت في غيها واضطهادها نحو ( 90 عاما هجريا )، قلة قليلة مسلمة تتغلب بعون الله على كثرة كثيرة مستعمرة . وفي ذات الوقت ، في يومي 3 و 4 تموز عام 1187 م ، يتذكر على الجانب الآخر الفرنجة ما جرى لهم من ذل وخيبة وطرد على أيدي جحافل المسلمين في ارض كنعانية - فلسطينية – إسلامية ، في قرية حطين ، قرب طبرية ، البحيرة والمدينة ، بعد ثمانية وثمانين عاما شمسيا، من الاستغلال والاحتلال لمقدرات امة أخرى ، كانت " خير أمة أخرجت للناس "  فهل يا ترى استفاد الجانبان الإسلامي والغربي وأحفادهم وأحفاد أحفادهم  العبر والعظات ؟ نصر وغلبة لأصحاب الحق ، وقتل وولولة للمحتلين الطارئين ؟            

     والكثير من الباحثين والدارسين القدماء والحاليين ما زالوا يطرقون ويسبرون غور سر النصر والهزيمة على حد سواء ، فهذه المعركة الفاصلة لها من الأسرار الخفية التي ما فتئت تناقش وتبحث وتستخرج منها العظات والعبر من بطون الكتب ، ومن بطن التاريخ ، على كافة المستويات الأكاديمية والسياسية والعسكرية والفكرية ، وترصد لهذه الأبحاث الميزانيات الاستثنائية والطارئة أو المحددة أحيانا . ونحن هنا في فلسطين ، ارض الإسراء والمعراج ، الأرض المقدسة ، ارض حطين النصر يجب أن لا ننسى هذه الذكرى الخالدة التي انتصر فيها الحق على الباطل " قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " ولنا العبر والعظات المتجددة عبر التاريخ الزمني وعبر الذاكرة الذهنية الإنسانية  لنعرف سر النصر والنجاح ، من الإعداد والاستعداد الروحي والإيماني والنفسي والفكري والعسكري ، من تنشئة وإعداد الفرد والجماعة على الجهاد في سبيل الله ، والوحدة والتوحد تحت لواء إسلامي واحد ، وكيفية إدارة المفاوضات السلمية السياسية والجنوح للسلم إذا جنحوا لذلك ، لقطف ثمار النصر العسكري بجميع الاتجاهات والمسارات وغيرها .

     وحطين .. هذه القرية العربية الفلسطينية على بعد 9 كم غرب طبرية ، أين هي الآن ؟ لقد دمرها الاحتلال الإسرائيلي في حرب عام 1948 كغيرها من القرى والمدن الإسلامية ، وأخرج أهلها الذين كان عددهم نحو ألف مواطن [1]  في محاولة لطمس التاريخ الإسلامي المشرف .. ألا ساء ما يفعلون .

     سنحاول تسليط الضوء على ذكريات هذه المعركة الفاصلة بين الحق والباطل ، ذكرى معركة حطين ، معركة اليومين الخالدين ، لعلنا ، نحن أحفاد صلاح الدين الأيوبي ، نسترجع ذكريات النصر والعز والكرامة وتدمير الظلم والظلام بكل ما أوتي الإنسان المسلم من عزيمة وقوة لا تلين ، وإرادة لنيل مرضاة الله سبحانه وتعالى ، واسترجاع المقدسات الإسلامية ، وخاصة المسجد الأقصى المبارك وبيت المقدس ، وسنسعى إلى أن تكون هذه الدراسة الجديدة دراسة مستفيضة بكافة المناحي والصعد الإيمانية والروحية والعسكرية والسياسية والتجديدية ما أمكن ، ونحن  في القرن الخامس عشر الهجري ، لهجرة المصطفى محمد نبي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وفي بدايات القرن الحادي والعشرين الميلادي . وسنعمل على استذكار آيات قرآنية مجيدة لشحن النفوس بكهرباء النصر .

 1. حياة صلاح الدين الأيوبي

                  هو يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان الكردي ، ولد لأبوين كرديين ،  عام 532 هـ / 1137 م  ، في بلدة تكريت في العراق . تبوأ والده يوسف الملقب بنجم الدين منصب حاكم قلعة تكريت العراقية ومحافظا على بعلبك اللبنانية . وقد نشأ صلاح الدين ( يوسف ) في مدينة بعلبك إذ عمل والده زمن نور الدين بدمشق وتربى على الفروسية والنزال والحرب والجهاد وكان حافظا للقرآن الكريم [2] . وصفه القاضي بهاء الدين  ، بأنه كان تقيا بعيدا عن المعاصي يخشى الله سبحانه وتعالى ، وقال عنه : " كان رحمه الله خاشع القلب غزير الدمعة إذا سمع القرآن خشع قلبه ودمعت عيناه ، وكان رحمه الله كثير التعظيم لشعائر الدين " . وقال عنه القاضي ابن شداد : " كان إذا سمع العدو قد داهم المسلمين خر إلى الأرض ساجداً داعيا الله سبحانه وتعالى : " إلهي قد انقطعت أسبابي الأرضية في نصرة دينك ولم يبق إلا الإخلاد إليك ، والإعتصام بحبلك ، والإعتماد على فضلك ، أنت حسبي ونعم الوكيل " .

     انتقل صلاح الدين إلى  مصر في الحملة الأولى على هذه البلاد  برفقة عمه أسد الدين شيركوه عام 559 هـ ، وعين وزيرا في سنة 564 هـ / 1169 م وكان عمره 32 سنة ، وأطلق عليه الخليفة الفاطمي العاضد آخر الخلفاء الفاطميين ( 1160 – 1171 م )  لقب الملك ( ملك مصر ) ثم أصبح يحمل لقب الملك السلطان الناصر صلاح الدين . وبعد عامين من توليه الوزارة عمل على إحلال السنة محل الشيعة في مصر ، وتوحيد العرب والمسلمين من العراق إلى بلاد الشام واليمن ومصر وليبيا وسواها ، تحت إمرة الخليفة العباسي المستضئ وأقام الخطبة للخليفة والغى الخطبة للفاطميين والسلاجقة .  وفي إعقاب وفاة نور الدين زنكي رئيس صلاح الدين الأيوبي أعلن صلاح الدين استقلال مصر وضم سوريا  له .

     وفي عام 1175 م أصدر الخليفة العباسي قرارا بإسناد السلطة لصلاح الدين على مصر والمغرب وغربي الجزيرة العربية وفلسطين وسوريا ، وكانت بلاد الحرمين الشريفين ( الحجاز ) قد ألحقت بمصر . أما اليمن فقد تولى حكمها توران شاة اخو صلاح الدين الأكبر ، وبعد نحو عشر سنوات الحق صلاح الدين الموصل والعراق له . وقد تعرض صلاح الدين لمحاولة اغتيال فاشلة من قبل الحشاشين . على أي حال ، بذل صلاح الدين الأيوبي كافة الجهود المخلصة لتوحيد كلمة العرب المسلمين على أسس إسلامية راسخة المعالم والبنيان ، وعمل على إعلاء كلمة الحق والدين الإسلامي فعمد إلى إحياء الجسم الإسلامي الواحد الذي يشد بعضه بعضا كالبنيان المرصوص  وتألم لعذاب المسلمين أينما كانوا وحيثما حلوا ، وقضى على الفتن والانقسامات الداخلية من الحشاشين والإسماعيلية في صفوف العرب المسلمين واهتم بالإعداد البشري والمادي لمقارعة المعتدين على الديار الإسلامية في قارتي آسيا وأفريقيا . ومن ضمن اهتماماته العمل على تحرير فلسطين وبيت المقدس والمسجد الأقصى المبارك مهما كلف الثمن بالقضاء على الحملة الصليبية الأولى التي شنها الإفرنج متخذين شعارا براقا وهو الصليب على الصدور  والاستيلاء على " أقاليم الكتاب المقدس " وخاصة فلسطين . وفي 22 شعبان 588 هـ / 12 أيلول 1192 م ابرم صلح الرملة بين السلطان الناصر صلاح الدين والملك ريتشارد قلب الأسد ملك إنكلترا ، وحددت مدة الصلح بثلاث سنوات وثلاثة اشهر . وبذلك انتهت الحروب بين الجانبين الإسلامي والصليبي .

     وتوفي رمز البطولة والفروسية الإسلامية في عصره ، السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي بمرض الحمى في سنة 589 هـ / آذار 1193 م ، وعمره  ( 55 ) سنه ، ودفن في دمشق . وقبره لغاية الآن في العاصمة السورية دمشق .

2. مرحلة الإعداد الإسلامي العام

      سار صلاح الدين الأيوبي على خطى ثابتة واضحة المعالم استعدادا ليوم اللقاء والمواجهة يوم الفصل  العظيم عندما يحين الحين واضعا نصب عينية  : { إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا } [3]  . فلم يهن في ابتغاء القوم بل عمل على إعداد العدة بكل ما أوتي من قوة فكان ممن شملتهم بذلك الآية القرآنية : { الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ . الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ } [4] . وقد واصل صلاح الدين الأيوبي عملية الاستعدادات الشاملة في كافة المجالات والميادين ، ولم يغره تقلب الذين كفروا في البلاد  ، على النحو التالي :

أولا : الإعداد النفسي والفكري الإسلامي :

     القرآن الكريم ، هو الدستور وهو الأساس الذي اعتبره صلاح الدين الأيوبي الحافز لإعلاء كلمة الله في الأرض ، ونشر العدل والمساواة وإحقاق الحق بكافة أشكاله وصوره ، فكان القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي حافظا للقرآن الكريم وداعيا إلى إتباع أوامره واجتناب نواهيه في بوتقة إسلامية شاملة ومتكاملة ، حاثا على الاعتصام بحبل الله المتين ، كما قال البارئ عز وجل : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ . وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [5]  . وكان ممتثلا للأحاديث النبوية الشريفة والاستفادة منها في تنظيم شؤون الرعية في كافة المجالات والميادين . وقيل إن صلاح الدين الأيوبي كان يختار أيام الجمع لمقاتلة الأعداء ، بعد صلاة الجمعة الجامعة ، وكان يختار الجنود ممن يصلون ويلتزمون بصلاة الفجر جماعة في المساجد ويقرأون القرآن الكريم  ، ويعتبر أنهم من المؤمنين حقا ولديهم الاستعداد النفسي والروحي للجهاد في سبيل الله وهم اقدر على تحمل المهام الجسام . وعندما كان يتفقد خيم جنود الجيش يحثهم على قراءة القرآن ويقول لهم : " من هنا يأتي النصر " ، وعندما كان يدخل خيمة ولا يجدهم  يقرأون القرآن الكريم يقول لهم : " من هنا تأتي الهزائم " .

ثانيا : بث روح الجهاد في سبيل الله :

     والجهاد في سبيل الله ، ذروة سنام الإسلام ،  كان هاجس القائد المسلم  صلاح الدين الأيوبي لنشر الإسلام والقضاء على البدع والفرقة والانقسام ، وتخليص الإسلام والمسلمين من أطماع الطامعين الغربيين . قال ابن شداد عن صلاح الدين ، " كان الرجل إذا أراد التقرب إليه يحثه على الجهاد أو يذكر شيئا من أخبار الجهاد ، وقد ألف له كتب عدة في الجهاد ، وأنا ممن جمع له فيه كتابا … وكان كثيرا ما يطالعه "  [6] .  فعمل على ترسيخ مفهوم الجهاد في سبيل الله بالقول والفعل بصورة متكاملة ، والجهاد له ترغيب وترهيب ، ترغيب في إتباع مبادئ الإسلام الحنيف وترهيب من التصدي أو الاعتداء على حمى المسلمين أينما كانوا وحيثما حلوا . والجهاد في سبيل الله يشمل ، مجاهدة النفس وحثها على إتباع الإسلام ومجاهدة الشر والطغيان ، والكفار والمحتلين : باليد واللسان والقلب . امتثالا لقول الله تعالى : { وَقَاتِلُوا فِي سَبِي

المزيد


فتح فلسطين .. والخلافة الإسلامية الراشدة

شباط 27th, 2008 كتبها د. كمال إبراهيم علاونه نشر في , فتوحات إسلامية لفلسطين

 

فتح فلسطين .. والخلافة الإسلامية الراشدة

فتح بيت المقدس من الرومان

15 هـ / 636 م

هذه الدراسة جزء من كتاب فلسطين العربية المسلمة ، لمؤلفه د. كمال علاونه ، الذي يدرس بجامعة فلسطين التقنية / طولكرم ، كمساق إجباري ( قضية فلسطينية ) لجميع طلبة الجامعة من درجة البكالوريوس في جميع التخصصات العلمية والإنسانية .

د. كمال علاونه

فلسطين العربية المسلمة

      تعددت المعارك التي خاضها المسلمون في بلاد الشام ابتداء من معركة مؤتة زمن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ، مرورا بعهد الخلفاء الراشدين : معركة أجنادين واليرموك وفتح بيت المقدس . ومعركة حطين قرب طبرية زمن صلاح الدين الأيوبي ومعركة عين جالوت زمن المماليك ( قطز وبيبرس ) . فكانت هذه المعارك استعادة لبلاد الشام ومن بينها فلسطين من براثن الاحتلال الروماني والصليبي – الإفرنجي ، والمغولي التتاري . ونبدأ بمعركة مؤتة .

معركة مؤتة 

 معركة مؤته في الأردن عام 8 هـ / 629 م هي أول معركة وقعت بين العرب المسلمين والرومان البيزنطيين زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم . ثم أعد رسول الله بعد ذلك جيشا بإمرته أسامة بن زيد بن حارثة لفتح بلاد الشام ألا أنه توفي قبل تسييره ، ثم أمر الخليفة أبو بكر الصديق بإنفاذ جيش أسامة . يقول الله تبارك وتعالى : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } [1]  . وقال الله تعالى : { فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا . وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا . الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا } [2] . وقال الله جل وعلا :  { انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [3] . 

 فلسطين في عهد الخلفاء الراشدين

       إهتم المسلمون بالأرض المباركة في عهد الخلفاء الراشدين الأربعة ، فكانت محط أنظار هؤلاء الصحابة الذين نذروا أنفسهم لفتح أرض الإسراء والمعراج – بيت المقدس ، كونها أولى القبلتين وتحتضن المسجد الأقصى المبارك ثاني المسجدين بناء وثالث الحرمين الشريفين ، ومكان إسراء ومعراج رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العلى . وقد بدأت عملية استعادة فلسطين كأرض عربية مباركة بنص قرآني زمن الخليفة الراشدي الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه وذلك بمعركة داثن قرب دير البلح وغيرها . 

 معركة داثن قرب غزة

 في عام 12 هـ / 633 م بعث الخليفة الراشدي الأول أبو بكر الصديق ، عدة جيوش مسلمة نحو الشمال طالبا منها نشر الدعوة الإسلامية . فمثلا ، إتجه جيش من هذه الجيوش الإسلامية نحو فلسطين جنوبي بلاد الشام ، بقيادة عمرو بن العاص ، حيث خاض عدة معارك انتصر فيها ومن أبرزها : معركة ( داثن ) شرقي دير البلح بقطاع غزة سنة 12 هـ  .

 معركة أجنادين 

 دارت معركة أجنادين بين المسلمين والروم ، سنة 13 هـ / 634 م بالقرب من قرية عجور من أعمال الخليل ، ففتح جنوب البلاد الفلسطينية ، وكان لهذه المعركة أثر كبير في زلزلة أقدام الروم وإرهابهم وإدخال الرعب في نفوسهم . فقد التقى الجمعان في أجنادين ، فكان عدد الروم ستين صفا في كل صف ألف فارس . وتولى قيادة المسلمين خالد بن الوليد الذي قسم الجيش إلى مقدمة ومؤخرة وقلبا وجناحين ميمنة وميسرة ، ومع النساء كانت خولة بنت الأزور ، حيث تولت النساء عملية الدفاع عن أنفسهن ورد الفارين من الجند وتحريضهم على خوض المعركة مع الأعداء ، وقيل أن نساء المسلمين كانت أشد وطأة على الروم [4] . وفي رواية أخرى قيل إن عدد جيش الروم أكثر من 90 ألف مقاتل ، وجيش المسلمين أكثر من 30 ألف مقاتل . وقبل المعركة عرض ممثل عن قائد جيش الروم على خالد بن الوليد قائد الجيش الإسلامي ، بإعطاء كل واحد من المسلمين دينارا وثوبا وعمامة ومنح خالد بن الوليد مائة دينار ومائة ثوب ومائة عمامة مقابل رحيل الجيش الإسلامي عن الروم فرفض خالد بن الوليد ذلك العرض وقال لممثل الروم : " والله ما نرجع إلا بإحدى ثلاث خصال : إما أن تدخلوا ديننا ، أو تؤدوا الجزية ، أو القتال . وأما ما ذكرت من أنكم عدد الذر فإن الله تعالى وعدنا النصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ، وأنزل ذلك في كتابه العزيز . وأما ما ذكرت من أن صاحبكم يعطي كل واحد منا دينارا وعمامة وثوبا فعن قريب إن شاء الله نرى ثيابكم وبلادكم وعمائمكم كل ذلك في ملكنا وبأيدينا " [5] . فانتصر المسلمون في هذه المعركة الكبرى في فلسطين المباركة وهزم جمع الروم إلى غزة وقيسارية ودمشق .واستشهد من المسلمين مئات المجاهدين قدر عددهم في اليومين الأول والثاني نحو 450 شهيدا ، وغنم المسلمون غنائم كثيرة لا تعد ولا تحصى .

 معركة اليرموك 

 فعلى إثر ذلك ، نظم هرقل إمبراطور بيزنطة الرومانية جيشا كبيرا فما كان من الخليفة أبو بكر الصديق إلا أن طلب من خالد بن الوليد الانتقال بالجيش المسلم الذي يقوده في العراق بالتوجه إلى بلاد الشام لخوض معركة فاصلة مع الرومان فتوجه خالد بن الوليد نحو الجبهة الشامية وخاضت الجيوش الإسلامية بقيادته معركة فاصلة بين المسلمين والرومان هي معركة اليرموك عام 15 هـ / 636 م  حيث انتصر فيها العرب المسلمون واستكملوا عملية فتح فلسطين وما بقي من البلدان الشامية . وفي معركة اليرموك كان عدد جيش المسلمين 40 ألف مجاهد ، وعدد جيش الروم 240 ألف مقاتل . وقد عبأ خالد بن الوليد قائد الجيش المسلم وقسمه إلى أربعين كردوسا ( الخيل العظيمة ) وجعل على كل كردوس رجلا وجعله على ثلاث فرق : قلب وميمنة وميسرة . وفي هذه المعركة أسلم ( جرجة ) أحد قادة جيش الروم على يد خالد بن الوليد . وقتل من الروم نحو 120 ألف مقاتل واستشهد من جيش المسلمين نحو ثلاثة آلاف [6] . وكان الخلفاء الراشدون يوصون الجيش الإسلامي بعدة أمور لإدارة المعركة مع الأعداء . فمثلا ، وصى أبو بكر الصديق رضي الله عنه الجيوش الإسلامية بما يلي : " يا أيها الناس ، قفوا أوصيكم بعشر ، فاحفظوها عني . لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا . ولا تقتلوا طفلا صغيرا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة . ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه . ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكله . وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع ، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له . وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام فإذا أكلتم منها شيئا بعد شيء فاذكروا اسم الله عليها .وتلقون أقواما قد فحصوا أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب ، فأخفقوهم بالسيف خفقا ، إندفعوا باسم الله " [7] .

   فتح بيت المقدس ..  والعهدة العمرية

       قال الله سبحانه تعالى في القرآن المجيد : { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } [8] .

     استكمل الجيش الإسلامي بقيادة عمرو بن العاص تحرير أو فتح مدن فلسطين من الاحتلال الروماني ما عدا : إيلياء ( القدس ) وقيسارية . فحاصر عمرو بن العاص إيلياء كونها بقيت جيبا جبليا معزولا بين المدن الفلسطينية ، إذ تحصن أهلها خلف سورها الكبير . ثم جاء أبو عبيدة عامر بن الجراح إلى عمرو بن العاص سنة 15 هـ / 636 م ، على الأغلب كما تحدث أغلب المؤرخين فتح المسلمون بيت المقدس ، حيث أمر الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب أبا عبيده عامر بن الجراح أن يتوجه إلى بيت المقدس لفتحها .  وأورد الواقدي في فتوح الشام نصاً يطلب فيه الخليفة عمر بن الخطاب من أبي عبيدة بالتوجه إلى بيت المقدس ، جاء فيه : : بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله عمر بن الخطاب إلى عامله بالشام أبي عبيدة :  أما بعد ، فإني احمد الله الذي لا إله إلا هو واصلي على نبيه ، قد ورد علي كتابك وفيه تستشيرني إلى أي ناحية تتوجه ، وقد أشار ابن عم رسول الله ، يقصد علي ابن أبي طالب ، بالمسير إلى بيت المقدس فان الله يفتحها على يديك والسلام  " [9] .

     وبعد ذلك ، جهز المسلمون إلى بيت المقدس ( إيلياء ) مجاهدين من سبعة جيوش تتألف من 35 ألف مجاهد ، على رأسهم أمين الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح . وتولى قادة سبعة ، زمام تسيير الجيوش وكانوا : خالد بن الوليد ويزيد ابن أبي سفيان ، وشرحبيل بن حسنة ، والمرقال بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ، وقيس بن هبيرة المرادي ، وعورة بن مهلهل بن زيد الخيل ، حيث تولى كل قائد منهم قيادة خمسة آلاف فارس وعقد لكل قائد راية وقد خرج الأمراء السبعة في سبعة أيام لإرهاب العدو . فنزل المسلمون بقرب بيت المقدس ثلاثة أيام ولم يكلمهم أحد . ثم تقدم يزيد بن أبي سفيان في اليوم الخامس لحصار المدينة فدعاهم عبر الترجمان لثلاث خصال : إما الإسلام ، أو المصالحة ودفع الجزية أو الحرب . فرفض أهل إيلياء هذه العروض الثلاثة فأمر أبو عبيدة بتحرك المسلمين تجاه المدينة المقدسة . [10]  وفي أحد الأيام أذن لصلاة الفجر وصلى الأئمة بجيوشهم قارئين الآية القرآنية : {  يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ } [11] . ثم نادى المنادون : "  النفير ال

المزيد