ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً .
فَادْخُلِي فِي عِبَادِي . وَادْخُلِي جَنَّتِي
د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية
فلسطين العربية المسلمة
النشأة والميلاد
ولد المواطن إبراهيم محمد شحادة علاونه ، في قرية عزموط 5 كم شرق مدينة نابلس ، عام 1927 ، عام الزلزال الذي ضرب فلسطين بقوة زمن الاحتلال البريطاني لفلسطين . وهو الإبن الرابع من أصل خمسة إخوة ذكور ، عفيف وعلي وأحمد وإبراهيم وثامر ، وثلاث أخوات هن : عفيفه وعلياء وخديجة . وكان هذا الإبن من الزوجة الثالثة ( حليمة ) لأبية محمد شحادة الأحمد أحد وجهاء القرية ، ونشا وترعرع في أحضان والديه ، ثم توفي والده في أواسط العقد الرابع من القرن العشرين الماضي . وكان جده شحادة من أولياء الله الصالحين كما أشارت الروايات الإسلامية التاريخية ، فهذه العائلة كانت من العائلات المتدينة وتواظب على أداء الفرائض الإسلامية العامة والأساسية والخاصة ومن الذين يعتصمون بحبل الله المتين ويستمسكون بالعروة الوثقى لا انفصام لها . و لا زلت أذكر منذ كنت طفلا ويصحبني والدي ( أبو جميل ) على المسجد الأقصى المبارك ، في أيام الجمع الرمضانية ، وأيام زيارتنا لعمتي علياء المتزوجة في قرية صور باهر ، القريبة من القدس ، وعمتي عفيفة المتزوجة في قرية سلواد قرب رام الله أثناء الأعياد الإسلامية .
التعليم العام
كانت قرية عزموط زمن الاحتلال البريطاني ، تفتقد لمدرسة ذكور ، وكذلك لا يوجد بها مدرسة للإناث ، وكان يتوجب على كل طفل أو طفلة أن يقطع مسافة عدة كيلومترات ذهابا وإيابا ، للوصول إلى المدرسة البعيدة في بلاطة البلد ، مع ما يسببه ذلك من متاعب وعناء جسدي وفكري ومالي في مختلف فصول السنة وخاصة فصلي الشتاء والصيف ، فالبرد الشديد في الشتاء ، والحر في فصل الصيف . وبهذا فلم يتم تسجيل الطفل إبراهيم في المدرسة البعيدة أسوة بغيره من عشرات الأطفال ، فبقي أميا ، لا يقرأ ولا يكتب في طفولته ، وعندما كبر سنه ووصل مرحلة الشباب قرر أن يتعلم ذاتيا بمساعده بعض المتعلمين ، فتعلم الحروف ، وأرقام الحساب والرياضيات ، وأصبح يوقع ويمضي اسمه ( إبراهيم ) بحروف ملتوية وهي الحروف السبعة المكونة لإسمه الندي البهي ، على اسم نبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام ، وذلك في حركات غريبة وعجيبة متقنة ندر مثيلها . فكان شابا ورجلا وكهلا ومسنا ذا إرادة قوية ، في الذكاء والتعليم ورواية القصص والأحاديث الشيقة ، بشهادة الأقرباء والأصدقاء والغرباء على السواء .
الزواج الأول 1949 .. المهاجرين والأنصار
وعندما كان عمره 22 عاما ، وتحديدا في عام 1949 م تزوج الشاب إبراهيم من شابة فلسطينية اسمها سهيلة من المهجرين من قرية الخيرية قرب مدينة يافا المحتلة على ساحل البحر الأبيض المتوسط . فتعانق المهاجرون والأنصار لنصرة المستضعفين في الأرض ، وآويا إلى مأوى سكني ( سقيفة ) مبني من اللبن المقوى ، نظرا لعدم سماح قوات الاحتلال البريطاني للمواطنين في القرية من الامتداد الجغرافي على ما يطلق عليه الأرض الزراعية . واستمر عيش هذه الأسرة الفلسطينية المرابطة في ثرى الأرض المقدسة حتى عام 1961 حين انتقلت لبناء عمراني إسمنتي جديد مؤلف من غرفتين ، واحدة للبشر والثانية للثروة الحيوانية مع فناء البيت .
الذرية الطيبة .. الأبناء والبنات
في عام 1950 ، بعد قرابة عامين من الزواج الميمون ، أنجب الشاب إبراهيم شحادة الطفل الأول الذي أسمياه ( جميل ) فهو الإبن البكر ،ثم تلاه البنت سهام إلى أن بلغ عدد الأبناء من الذكور والإناث 10 أبناء ، فقد أنجب من زوجته سهيلة ، على التوالي جميل وسهام وجمال وكمال وفاطمة ومحمود وسحر وسمر وسنيورة وكايد . أي أن أسرته تكونت مناصفة بين الذكور والإناث ، فبقيت الأسرة 12 فردا بما فيها الوالدين هذا عدا عن الأبناء الذين توفوا وهم صغارا بفعل المرض . وبهذا فإن والدي رحمة الله شارك في مرابطة عدد كبير من أولاده في أرض الرباط الإسلامية المقدسة ، في صراع سكاني مرير مع الاحتلال الصهيوني البغيض الذي يعمل على تفريغ الأرض الفلسطينية المقدسة من أهلها وابتلاعها . وهذا الإنجاب الأسري الإسلامي الفلسطيني هو نوع من الجهاد في سبيل الله والدفاع عن حمى الوطن المقدس من الأعداء .
عمل ومهن الحاج إبراهيم
أولا : مهنة الزراعة
كانت المهنة الأولى ، لوالدي الحاج إبراهيم في شبابه ، الزراعة ، فكان يزرع بصحبة والدته وزوجته الأولى ( سهيلة ) في أراضي القرية القريبة والبعيدة على حد سواء ، مثل الحبوب كالقمح والعدس والفول والشعير وغيرها ، والمحاصيل الصيفية كالذرة والسمسم والبامية . هذا بالإضافة إلى زراعة الأشجار المثمرة ، كالزيتون الفلسطيني المقدس ، والتين ، واللوز والعنب وغيرها من أنواع الأشجار المثمرة . وكانت الأرض التي يزرعها تعود له من ورثة أبيه ، بالإضافة إلى مساحات واسعة من الأراضي التي تعود للأصدقاء والأقرباء ، حيث يزرعها وفق ( نظام المزارعة ) فينتج إنتاجا وفيرا له ولأسرته وخاصة من القمح والعدس ، ولثروته الحيوانية من الأبقار والأغنام يزرع ويحصد الشعير والكرسنة والبيكة وغيرها .
وكان يستخدم أسلوبي الزراعة التقليدية في الأرض الجبلية ، في مناطق الغور الفلسطيني ( الحبيس والمثابة وتحت العراق والجور ) والزراعة العصرية في المناطق السهلية في سهل عزموط وسهل عسكر باستخدام الجرار الزراعي والدرس الآلي . وكان مواطنا منتميا لأرضه ووطنه بكل معنى الكلمة .
ثانيا : خبير متفجرات بالعمل المدني
وكانت المهنة الثانية ، للرجل الفلسطيني إبراهيم ، هي تفجير العبوات الناسفة في الكسارات مثل كسارة أبو ريحان ، وكسارة فريتخ وغيرها في نابلس . ففي زمن العهد الأردني 1950 – 1967 ، كان يدمج العمل الزراعي مع العمل في الكسارات لإنتاج الناعمة والحصمة والحجارة اللازمة للتعمير السكني في فلسطين و كان من المبرزين في عمله ، حيث كان خبير المتفجرات في الكسارة ، ويتقن عمله كما كان يحدثنا ، ويتحدث عنه الآخرون من زملائه الذين عملوا في المتفجرات في الكسارات . وأذكر مرات عديدة أنه كان يضع قنابل البارود المرخص عندما حفر لنا بئرا وسط الدار ، دون أن يؤذي أي سكن أو مأوى أي مواطن من جيرانه ، فقد حذق عملية وضع المتفجرات بالقدر المعلوم والمحدد لتكسير الحجارة الصلبة دون إيذاء الآخرين .
ثالثا : مهنة الصيد :
والمهنة الثالثة للحاج إبراهيم شحادة هي الصيد ، فقد كان صيادا ماهرا يشهد له أقرانه بحسن التصويب وإصابة الهدف . فقد كان أبو جميل ، يطلق النار على الطيور كالحمام البري والشنانير ( الحجل ) وهي في السماء ويرديها طريحة الأرض ليتولى ذبحها ، وكذلك اصطياد الغزلان والنيص والأرانب البرية والعودة بها لأولاده . وكان له باع طويل في هذا الأمر ، ومشهود له على مستوى محافظة نابلس ، جبال النار ، ونادرا ما كان يعود للبيت من رحلة الصيد خالي الوفاض ، بل كان يكرمه الله سبحانه وتعالى ، ويصطاد فريسته الحلال لإطعام أبنائه الطعام الحلال والمشرب الحلال ، وكانت معظم مأكولاته من الطيور من تلك التي يصطادها بتأن واقتدار بتوفيق من الله عز وجل .
رابعا : مهنة الرعي
كان المواطن إبراهيم يهتم بالثروة الحيوانية ، حيث يربي قطيعا كبيرا من الأغنام ( الماعز السمراء ) والأبقار ، فكان يربي عدة بقرات من النوع البلدي ، وعشرات الماعز ، التي يتم تصنيع بتجميع الحليب بالطريقة اليدوية ، وتصنيع اللبن الرائب ، وصناعة الجبن واللبنة أحيانا أخرى ويجري تسويها في السوق المحلي القريب من القرية . ومن نافلة القول ، إن مخلفات الزراعة والثروة الحيوانية كانت تستخدمها أسرة الحاج إبراهيم كغيرها من الأسر الريفية التقليدية الفلسطينية في صناعة الخبز فيما يعرف ب ( الطابون ) . وكان يرعى الغنم في صغره للمزارعين الفلسطينيين إضافة لأغنام أسرته حيث ورث هذه المهنة عن والده ثم تركها في سنوات شبابه .
على العموم ، كنت ألاحظ أن والدي يمتلك بعض المال الكافي ، للأسرة ، ويفيض قليلا أو كثيرا حسب طبيعة الغلة التي يجمعها في الحصاد السنوي من مهنه المتعددة . وكان يستخدم طريقة القرض الحسن ، لإخوته والجيران والأصدقاء ، وكان بمثابة مقرض حسن للجميع دون ربا مالي كما كان يفعل بعض سكان القرية ، ويبتغي رضى الله فقط ، وكان ينفق على الصدقات ، ويساعد المحتاجين ، ويوزع بين أبنائه بعد نهاية جني موسم الزيتون ، حب الزيتون للمخلل ، وزيت الزيتون حسب الطريقة الإسلامية ، وكان يستعين بي في هذا الأمر ويطلب مني دائما الحضور لتوزيع إنتاج الزيتون السنوي ، سواء أكان غزيرا أو شحيحا . وكنت أشاهد كرمه عندما يأتي بعض أخوالي المهجرين من فلسطين منذ نكبة فلسطين 1948 من عمان بالأردن حيث يعمد لسخل من بين قطيع الماعز ويذبحه ويطلب من والدتي رحمها الله أن تطبخه للضيف الكريم والأسرة .
ورثته من أبيه وأمه
ورث الشاب إبراهيم عشرات الدونمات السهلية الجرداء أو المزروعة بأشجار الزيتون الرومي المعمر ، أو الجبلية المزروعة بالأشجار . وكان يستخدم أراضيه ، في الزراعة وخاصة الحبوب ، وأشجار الزيتون واللوز والتين والصبار المثمرة سنويا بانتظام . وهذه الورثة جاءت بعد وفاة والده محمد شحاده ، وخاصة في مناطق سهل







































