فلسطين .. وذكرى يوم الأرض
1976 – 2008
( 2 - 2 )
د. كمال علاونه
أستاذ العلوم السياسية – فلسطين
سياسة شاملة لتهويد أرض فلسطين
ملاحظة هامة : يرجى قراءة الجزء الأول أولا … ( 1 - 2 )
وعلى صعيد آخر ، فان ملكية ارض فلسطين ، قسمتها الحكومة الإسرائيلية ، وفق تصور
الصندوق القومي اليهودي ، إلى عدة فئات كما يلي : " ملكية الأرض – تقسم ملكية الأرض في اسرائيل إلى أربع فئات : أملاك الدولة ، وأملاك سلطة التطوير ، وأملاك الصندوق القومي اليهودي ، والأملاك الخاصة . وتقسم الأملاك الخاصة ، بدورها إلى : أملاك يهودية ، وأملاك الأقليات ( غير اليهودية ) :
أملاك الدولة وسلطة التطوير 000ر205 ر15 دونم
أملاك الصندوق القومي اليهودي 000ر570 ر3 دونم
الأملاك الخاصة 000 ر480 ر1 دونم
المجموع 000ر255 ر20 دونم
ومعنى ذلك ، إن الأراضي الفلسطينية ( أراضي اسرائيل ) المركزة تحت سلطة إدارة أراضي اسرائيل تمثل 6ر92 % من مجموع مساحة الدولة " ، ( 13 ) .
وبهذا نرى ، إن التعامل اليهودي مع ارض فلسطين ، يتم على أساس اعتبارها ( ارض اسرائيل ) وهي سياسة تزوير للحقائق التاريخية ، وتمييز عنصري يأخذ عدة اتجاهات ومسارات من أبرزها :
أولا : اعتبار نسبة كبيرة من ارض فلسطين هي ارض يهودية ( إسرائيلية ) حكومية " أملاك الدولة وسلطة التطوير وأملاك الصندوق القومي اليهودي " تبلغ نسبتها 6ر92 % ، وهذا يدلل على مدى استفحال إتباع الطرق المتعددة للاستيلاء على ارض فلسطين العربية ، ونهبها وحرمان أهلها منها ، مع العلم إن مساحات كبيرة من هذه الأراضي هي ارض وقف إسلامي صرف ، إذ تبلغ نسبة الأراضي الوقفية الإسلامية 1 / 6 من مساحة فلسطين .
ثانيا : سيطرة الصندوق القومي اليهودي على مساحات شاسعة من ارض فلسطين ، بشتى الطرق ، حيث بلغت مساحة هذه الأراضي التي يسيطر عليها هذا الصندوق العنصري اليهودي لاستملاك الأراضي الفلسطينية ، نحو ثلاثة ملايين وخمسمائة وسبعين ألف دونم ، في حين إن مساحة الأملاك الخاصة للعرب وغير العرب ( اليهود ) بلغت مليون دونم وأربعمائة وثمانين ألف دونم ، وهذا يقود إلى سياسة عنصرية مبرمجة للاستيلاء على الأراضي العربية .
ثالثا : إن مساحة الأراضي ذات الملكية الخاصة للعرب وغير العرب ، هي ذات مساحة صغيرة ، تبلغ نسبتها 4ر7 % فقط ، ويمكن القول إن نسبة الأراضي التي يملكها العرب في الجليل والمثلث والنقب والساحل الفلسطيني بشكل حقيقي ما يقارب 5ر2 % من المساحة الإجمالية المذكورة ، وهي معطيات خطيرة تبين مدى درجة الاقتلاع السياسية والاقتصادية التي نفذتها الدولة اليهودية في ارض فلسطين ، وتشريد أهل البلاد الأصليين ، وإبقاءهم في معازل صغيرة المساحة ، والتضييق عليهم بشتى الطرق والأساليب المتاحة ، وذلك رغم أن عددهم بلغ في مطلع القرن الحادي والعشرين نحو مليون وربع مليون فلسطيني .
وتواصلت الدعوات اليهودية الرسمية وغير الرسمية المكملة لبعضها البعض في الاستيلاء على ارض الشعب الفلسطيني ، إذ استخدمت وسائل الإعلام اليهودية المختلفة ، المسموعة والمرئية والمطبوعة ، لبث الدعوات العنصرية للسيطرة على المزيد من الأراضي الفلسطينية .
وتتواصل سياسة الاستيلاء اليهودية على الأراضي العربية الفلسطينية بشتى الطرق والأساليب " القانونية " والسياسية والاجتماعية ، تارة بدعوى التطوير وتارة بدعوى شق طرق عامة او إقامة مناطق عسكرية ضرورية للأمن الإسرائيلي وغيرها من الحجج التي تكررت عبر العقود الزمنية الستة السالفة . ومهما يكن من أمر ، فان السياسة العنصرية التي استخدمت قديما وحديثا للسيطرة على الأرضي الفلسطينية ، تمثلت في عدة طرق يهودية لترهيب المواطنين العرب وتفريغ الأرض العربية الفلسطينية منها : منع الطعام والمياه عن المواطنين وحجزهم ساعات طويلة في بيوتهم ، منع التجول ، وقطع المياه عن المنازل ، وإغلاق المدارس والطرق على أبواب البيوت ليلا بالبنادق وإطلاق العيارات النارية في الهواء لتخويف المواطنين العرب والتعجيل في ترحيلهم إلى مناطق خارج نفوذ القوات الصهيونية ، والأمثلة كثيرة في هذا المجال
الاستعمال الصهيوني لأرض فلسطين
تستخدم السلطات اليهودية الأراضي العربية الفلسطينية التي سيطرت او تسيطر عليها لتحقيق عدة أغراض استعمارية مدنية وعسكرية ، باختلاق عوامل ومبررات متباينة : سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية ، بالتضليل والخداع تارة ، والسياسة المباشرة تارة أخرى ، ومن هذه الاستعمالات :
1) إقامة المستوطنات او المستعمرات المدنية اليهودية عليها . وتشمل المستوطنات على اختلاف أشكالها وأنواعها الزراعية والصناعية والدينية او الإسكانية العامة ، وإقامة المواقع والمراكز او المستوطنات العسكرية اليهودية .
2) شق الشوارع العامة التي تخدم التجمعات السكانية اليهودية .
3) إقامة المباني الحكومية اليهودية – الصهيونية - الإسرائيلية الرسمية ( الوزارات والدوائر العامة ) .
أهداف الاستيطان اليهودي
هدفت سياسة الاستيطان الإسرائيلية المستندة إلى التمييز في مصادرة الأراضي العربية ، إلى تحقيق عدة غايات وأهداف يهودية مرحلية تصب في نهاية المطاف في مصب تجريد المواطنين العرب من اكبر مساحة ممكنة من الأراضي ، واهم هذه الغايات والأهداف ما يلي :
أولا : تهويد الأراضي العربية ، وترسيخ أقدام اليهود في البلاد .
ثانيا : أن تلعب المستوطنات المقامة دورا أمنيا واستراتيجيا ، وذلك بالسيطرة اليهودية على المرتفعات وقمم الجبال ، كما هو الحال في الجليل ( 14 ) .
ثالثا : إحداث سيطرة ديموغرافية بين العرب واليهود ، وذلك في أعقاب فشل سياسة التهجير الجماعية الجديدة للمواطنين العرب واجتثاثهم من فوق أرضهم كلية ، كما حدث عام 1948 ، عام النكبة الفلسطينية . وقد وضعت الخطط والبرامج المرحلية لتهويد الأراضي العربية ، مثلما هدفت وثيقة يسرائيل كنج عام 1976 إلى تحقيق سيطرة أكثرية يهودية في البلاد بدعوى " تطوير الجليل " .
وقد لاحظنا أن اليهود الغرباء عن الديار الفلسطينية ، وبصورة مستغربة متصاعدة ، ينظرون إلى المواطنين العرب في ارض فلسطين العربية ، أرضهم التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم ، وكأنهم سرطان في الدولة العبرية يسعون إلى اجتثاثه لكي لا يؤثر على نمو الدولة اليهودية في فلسطين . فالعجيب هنا أن اليهود الغرباء ينعتون أهل البلاد الأصليين بالغرباء ، وهي مفارقة عنصرية عن سبق الإصرار والترصد .
رابعا : عزل القرى والمدن العربية عن بعضها البعض بإقامة تجمعات استيطانية يهودية بينها ، للحيلولة دون تواصلها الجغرافي والعمراني .
خامسا : تقليل مساحات الأراضي السهلية الخصبة والجبلية على السواء في أيدي العرب ، وذلك لتحجيم الزراعة العربية ، والحد من امتداد الأبنية العربية على مساحات واسعة من الأراضي وتقييد التوسع المكاني للقرى العربية الفلسطينية .
سادسا : إلحاق الأراضي العربية بالمجالس الإقليمية اليهودية .
سابعا : السيطرة على موارد المياه العربية .
ثامنا : السعي الحثيث لاجتذاب يهود العالم ، وغرسهم في ارض فلسطين .
وكنتيجة لأعمال المصادرة اليهودية للأراضي العربية الفلسطينية المتعددة الأغراض والأهداف فان العرب لم يتبق لهم إلا جزءا بسيطا من ارض وطنهم فلسطين . وبهذا فان السياسة العنصرية اليهودية تجاه العرب الفلسطينيين نفذت بشكل متقن لطرد العرب من أرضهم واستيلاء اليهود عليها ، ويبقى الخطر الصهيوني محدقا بالشعب الفلسطيني في وطنه ، فهو يتعرض لشتى صنوف العذاب والقمع الصهيوني لتجريده من أرضه . والعقلية الصهيونية ما زالت تخطط لجلب اليهود من مختلف قارات العالم ، وإسكانهم في فلسطين ، ولسان حال القادة الصهاينة يؤكد ذلك بصورة مستمرة لاستيطانها لتكون لليهود المشتتين في العالم . وفي عام 2000 ، ظهرت على السطح سياسة صهيونية - إسرائيلية جديدة ، هدفت إلى نزع ملكية آلاف الدونمات من الأراضي العربية من أصحابها الأصليين الشرعيين ، من خلال المبادرة إلى شق شارع طويل يخترق البلاد طوليا من الشمال إلى الجنوب فيما يعرف بشارع " عابر اسرائيل " او عابر " السامرة " ، توخت الحكومة الإسرائيلية من ورائه سلب المزيد من الأراضي العربية الفلسطينية ، واقترحت على المواطنين العرب المالكين لهذه الأراضي التعويض المالي الرمزي ، إلا إن هؤلاء المواطنين أفرادا وجماعات بوساطة السلطات المحلية العربية رفضوا هذه الفكرة التعويضية الرمزية على الأرض ، ورفضت فكرة شق هذا الشارع الطويل الواسع لأنه يدمر الأراضي العربية ، ويخترق المدن والقرى العربية في حين يلتف حول التجمعات الإسكانية اليهودية . ثم تراجعت الحكومة الإسرائيلية عن فكرة التعويض الرمزي ، واستجابت جزئيا لمطالب المالكين العرب بالتعويض على أساس " الأرض مقابل الأرض " ، ولكن بنسبة 70 % من مساحة الأرض ، شرط أن تقتصر عملية التعويض او الأرض البديلة على من يمتلك ثلاثة دونمات فأكثر وأما من يمتلك اقل من ثلاث دونمات فسيعوض ماليا وبدفعات مالية بخسة وعلى أقساط شهرية ( 15 ) .
الاستملاك والتأجير الأبدي لليهود فقط
على أي حال ، إن الأراضي الفلسطينية التي استولت عليها الدولة اليهودية للاعتبارات : السياسية والعسكرية والمدنية والاقتصادية ، بالمصادرة او بالشراء ( وهي نسبة قليلة جدا ) على السواء ، اعتبرت حكرا على اليهود فقط ، فقد سنت القوانين اليهودية التي تمنع العرب من استعادة أملاكهم بالشراء ، او المبادلة العينية وغيرها ، واعتبرت بمثابة ملكية قومية يهودية لا يمكن التنازل عنها للمواطن العربي مهما كانت ديانته ، وهو مظهر عنصري حتى النخاع ، يمارس يوميا ، يرهق المواطنين العرب أبناء الأقلية القومية الدينية في البلاد ، وهذا ما درج على إتباعه الصندوق القومي اليهودي ، والحكومة الإسرائيلية التي ورثت هذا القانون العنصري والذي ما زال ساري المفعول لغاية الآن . وفي مجال استئجار الأراضي المستولى عليها يهوديا ، فرضت مبادئ التأجير العنصرية على انه يجب أن يكون المستأجر يهوديا ، سواء أكان فردا او رابطة اجتماعية او شركة . وفي المادة الثالثة من قانون الصندوق القومي اليهودي ، طلب من المستأجر أن يعمل على تنفيذ جميع الأعمال المتعلقة بالأرض المؤجره له : " بالاعتماد ، والاعتماد فقط على العمال اليهود " ، ( 16 ) .
وقد حددت مدة معينة لتأجير الأرض لليهود سقفها 49 سنة ، قابلة للتجديد مرة واحدة نظريا ، وقابلة للتجديد أكثر من ذلك عمليا ، كما أجازت القوانين اليهودية للسكان اليهود توريث الأرض او الوصاية عليها لليهود الآخرين فقط ، مع اشترط أن الأرض هي غير قابلة للتقسيم ومقيدة بالغاية المعينة في عقد الآجار والاستئجار لأغراض : الزراعة او الصناعة والتجارة او الإسكان . وهناك بعض الأراضي التي استثنيت من تحديد مدة تأجيرها بتسعة وأربعين عاما ، مثال ذلك عقد الإيجار المتعلق بجبل ( سكوبس ) في القدس الذي حددت مدته ب 99 عاما ، المقام عليه مباني الجامعة العبرية ، ( 17 ) .
وما زالت " دائرة أراضي اسرائيل " حتى أيامنا هذه تستخدم نماذج عقود وشروط الإيجار التي وضعتها إدارات الصندوق القومي اليهودي منذ فترة طويلة ، في المجالات الزراعية والصناعية والتجارية والإسكانية ، وذلك اثر توقيع اتفاقية صهيونية : بين الحكومة الإسرائيلية وإدارة الصندوق القومي اليهودي عام 1960 . وقد أدت سياسة التمييز العنصرية الصهيونية – اليهودية - الإسرائيلية ضد العرب الفلسطينيين إلى تزايد العداء بين العرب واليهود بشكل مستفحل .
المقاومة الفلسطينية لسياسة مصادرة الأرض
تعددت الطرق والأساليب العربية الفلسطينية التي تصدت إلى سياسة مصادرة الأرض العربية في الجليل والمثلث والساحل والنقب وفلسطين الكبرى بصورة عامة ، من قبل الحكم العسكري الإسرائيلي ، والحكومة الإسرائيلية على مدار العقود الأخيرة ، فشملت الاجراءات " القانونية " باللجوء إلى المحاكم اليهودية الصهيونية وخاصة المحكمة العليا ، إلى جانب الانتفاضات والهبات الجماهيرية الجماعية والتصدي العسكري الفردي او الجماعي عبر الخلايا العسكرية المناهضة للسياسة العنصرية اليهودية . وتفرعت هذه الطرق إلى تنظيم الانتفاضات والمظاهرات الجماعية وترديد الشعارات الوطنية المنددة بالسياسة الإسرائيلية ضد المواطنين العرب ، أهل البلاد الأصليين ، وضد الأرض الفلسطينية ، فوضع الشبان الفلسطينيون المتاريس على الشوارع والطرقات وأشعلوا النار في إطارات السيارات ، وأقيمت الصلوات الجماعية في المناطق المهددة بالمصادرة ، وأضرمت النار في بعض الأحراش القريبة ، ورجموا الدوريات العسكرية ا















