22 نيسان 1999 - 2009
أستاذ العلوم السياسية
فلسطين العربية المسلمة
يقول الله العزيز الحكيم جل جلاله : { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)}( القرآن المجيد ، الفجر ) .
في يوم الخميس – ليلة الجمعة 22 نيسان 1999 الموافق 6 محرم 1420 هـ ، بعد 67 عاما ، ( 1932 – 1999 م ) من الحياة المليئة بالعطاء والتضحية والعناء ، والتربية الحياتية ، انتقلت والدتي سهيلة أم جميل ، إلى حياة البرزخ تمهيدا للولوج في الحياة الآخرة السعيدة إن شاء الله تبارك وتعالى . إنها والدتي الحبيبة ، التي عانت من ويلات الاحتلال البريطاني ، ولم تتمكن أسرتها من إلحاقها وإخوتها بمدرسة من المدارس القلية آنذاك ، لسوء الأوضاع العسكرية والاقتصادية والسياسية ، فبقيت أمية لا تقرأ ولا تكتب ، أسوة ببقية أفراد أسرتها اليتامى ، ثم هجرت مع أسرتها في حرب عام 1948 ، عندما كان سنها 17 عاما ، ويتيمة الأب ، إبان نكبة فلسطين الكبرى ، من بلدة ساقية قرب يافا ، على ساحل البحر الأبيض المتوسط ، فنزحت في النزوح الفلسطيني الكبير من يافا لمدينة نابلس إلى مخيم عين بيت الماء ، وهو مخيم رقم ( 1 ) في فلسطين . وهناك تعارفت عائلة والدي على عائلة والدتي عندما جاء أبي ، وهو الشاب إبراهيم محمد شحادة علاونه لخطبة الفتاة الفلسطينية المنكوبة كبقية أبناء شعبها بفعل الاحتلال البريطاني البغيض والمنظمات الإرهابية اليهودية المسماة ( الهاغاناة ) وذلك بعد شهر من حركة النازحين الفلسطينيين الجدد ، من محافظة فلسطينية لمحافظة فلسطينية أخرى ، من الساحل الساحلي إلى الجبل الداخلي في فلسطين الأرض المقدسة . فتشتت العائلة بين نازح في أرض الوطن الفلسطيني المقدس في نابلس أو غزة ، وبين لاجئ في عمان بأرض الأردن الشقيق ، فجاءت ظاهرة جديدة في حياة الشعب الفلسطيني الأصيل في هذه البلاد وهي ظاهرة ( المهاجرين والأنصار ) ضمن الوطن الواحد والشعب الواحد في أرض فلسطين المباركة ليكتمل المثلث الاجتماعي الجغرافي الفلسطيني : المدينة والقرية فالمخيم .
ومضت الأيام والسنون ، وبعد خمسين عاما ، بعدما جاء موعد الموت للوالدة ( سهيلة أم جميل ) واقترب الأجل وساعة الرحيل ، واللحاق بالرفيق الأعلى ، وفق قول الله العزيز الحميد : { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34)}( القرآن العظيم ، الأعراف ) . وأزفت الآزفة ، بعدما استشرى المرض في جسم الأم الرؤوم ، نقلت الأم إلى مستشفى رفيديا ثم مستشفى الوطني في نابلس ، كونهما مستشفيان حكوميان ، وأنا ابنها الأوسط ، موظفا في هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية وأمتلك التأمين الصحي الحكومي الشامل ، وهي مسجلة في بطاقة تأميني الصحية الحكومية ، مكثت عدة أيام بالمشفى مرة في مستشفى رفيدا واستقرت في مستشفى الوطني وسط مدينة نابلس ، والزوار يزورنها في المشفى ، من الزوج والأبناء والبنات وبعض الأقارب والأصدقاء والأنسباء وأبناء الحمولة .
وفي يوم الاثنين 19 نيسان 1999 ، بعد 17 يوما من عودتي من الديار الحجازية لتأدية فريضة وركن الحج ، ومناسك العمرة الإسلامية ، مع البعثة الإعلامية الفلسطينية ، وتأدية العمرة نيابة عن والدتي سهيلة ، برفقة والدي العزيز ، وفي ساعة من ساعات يوم عربي إسلامي حافل بالدعاء والعبادة ، لله جل جلاله ، أحسست بأن هاتفا قلبيا داخليا ، يخبرني بأن والدتي سينتهي أجلها المحتوم يوم الخميس ن دعيت أبني البكر هلال ، ابن الثانية عشرة ربيعا ، وأمليت عليه خطبة رثاء وتأبين لميت عزيز ، وكنت مضمرا في نفسي أن هذه الخطبة والتأبين الإسلامي سيكون لوالدتي الحبيبة ، ولكنني لم أخبره ، بل أخبرته ، بأن هذا الخطاب هو لميت عزيز قد يلزم مستقبلا ، ولم يكن يدرك هلال الطفل في تلك الأيام ، لمن سيكون هذا الخطاب التأبيني ، ولكنه كان يحب الخطابة حبا جما كونه استطاع نيل المرتبة الأولى في الخطابة المدرسية على المدارس الحكومية الفلسطينية للمرحلة الأساسية العليا ، وبدأ هلال يقرأ الخطابة على مسامعي ويرددها بإتقان تام .
كانت والدتي العزيزة ، إمرأة فلسطينية ، مدنية وريفية بكل معنى الكلمة ، مزارعة وتاجرة ، وأم رؤوم ، تحنو على الأبناء ، وتربطها علاقات وطيدة مع الجيران من النساء والفتيات في القرية ، وتشارك الجميع في الأفراح والأتراح ، باعتباره واجبا من الواجبات الاجتماعية المتعارف عليها في قرية عزموط الصغيرة . ويبدو أنه لكونها نشأت يتيمة ، كانت تحب الأطفال اليتامى وتتصدق عليهم ، وتواسى الأرامل ، والمفجوعين والفقراء ، وتنفق من أموالها . واهتمت بأسرتها ، فعملت على تزويج كافة بناتها الخمسة في حياتها ، وعملت على تزويج أربعة أبناء ذكور ، وبقيى الصغير كايد الذي أوصتني به خيرا وعلمنا على تزويجه في حزيران 2006 بعد وفاتها بسبع سنين .
وكانت والدتي متدينة ، تؤدي الفرائض والأركان الإسلامية من الصلاة والصيام والزكاة ، واجباتها الاجتماعية الإسلامية ، وتحب الإسلام والمسلمين فقد أدت مناسك العمرة معي في العشر الأواخر من رمضان 1996 م ، وكانت تحب زيارة المسجد الأقصى المبارك والصلاة فيه في جميع الأحوال ، وكانت تدعو لنصرة شعب فلسطين وتحريره من الاحتلال والمحتلين اليهود ، فقد ظلمت مرتين في الاحتلال الصهيوني الأول وطردها وعائلتها من يافا ، عام 1948 ، وظلمت في المرة الثانية بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة في الاحتلال الصهيوني الثاني عام 1967 بعدما حرمت من رؤية أهلها وذويها وإخوتها في غزة وعمان في حلهم وترحالهم ، وحياته وموتهم . وكانت أمي تدعو لي ولإخوتي كثيرا جدا بالتوفيق والسداد وتحقيق الأماني والتطلعات ، وتعطف على الفقراء والمساكين والأرامل واليتامى والمحتاجين والمرضى والمسنين ، وتنفق من أموالها على هذه الفئات المعوزة ، ماليا وعينيا ، وتحضنا على ذلك ما استطعنا لذلك سبيلا بصورة دائمة . يقول الله تبارك وتعالى : { يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (57) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (58) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59)}( القرآن العظيم ، العنكبوت ) .
وكانت تركز على الاهتمام بمبدأ كفالة الأيتام المسلمين في القرية وخارجها . وتهتم بمشاركة الناس في أفراحهم وأتراحهم عبر تقديم مساعدات مالية وعينية ، ففي الأعراس كانت تقدم اللبن والخبر والأرز والنقوط المالي للمساهمة في إعداد المناسف الشعبية ، وتشارك أحيانا في طبخها . وفي حالات الموت والعزاء لا تتخلف على مشاركة نساء المتوفى بالزيارات وقضاء الأيام الثلاثة لبيت الأجر ، وكانت تهتم بإعداد الأطعمة للفطور والغداء لأهل المتوفى من نفس العائلة أو العائلات والحمائل الثلاث في القرية : علاونه وصوالحة وحوامدة لا فرق لديها فعليها أن تقدم واجبها كذلك .
وفي حرب حزيران عام 1967 ، كانت والدتي تؤوي شباب جنود الجيش العربي الأردني ، في حديقتنا الريفية الشجرية من التين والعنب واللوزيات ، وتقدم لهم المأوى واللباس والطعام فهم من جيل أبنائها ، وتستط




















