اللاجئون والنازحون الفلسطينيون
ومحاولات التوطين القسري
د. كمال علاونه
أستاذ العلوم السياسية
فلسطين العربية المسلمة
بلغ عدد المهجرين الفلسطينيين في حرب عام 1948 نحو مليون نسمة ، ويبلغ عدد الفلسطينيين في فلسطين والمهاجر والشتات في 2008 أكثر من 10 ملايين نسمة ، منهم النصف تقريبا يقيم في ارض وطنه ، ارض الاباء والأجداد ، والباقي مشتت في بعض أجزاء الوطن العربي في دول الطوق القريبة من فلسطين ، والبعض الآخر يتوزع في مختلف قارات العالم . وبهذا فإن الشعب الفلسطيني هو شعب عالمي معذب في الأرض .
أولا : المخيمات الفلسطينية
برز أثناء حرب فلسطين الكبرى عام 1948 ، ظاهرة جديدة في المجتمع الفلسطيني تمثلت بإنشاء مخيمات فلسطينية في أرض الوطن بعيدا عن أتون المعارك ، فكان أول مخيم فلسطيني أنشا قرب مدينة نابلس ، هو مخيم عين بيت الماء ( مخيم رقم 1 ) ثم تتالت عملية إنشاء المخيمات الفلسطينية لإيواء المهجرين بفعل الإرهاب الصهيوني بصورة مباشرة أو غير مباشرة . فأقيمت هذه المخيمات للنازحين الفلسطينيين بالقرب من المدن الفلسطينية الكبرى في جناحي الوطن : الوسط الشرقي من فلسطين ( فيما عرف بعد ذلك بالضفة الغربية ) والجنوب الغربي من فلسطين ( قطاع غزة ) . كما أقيمت مخيمات فلسطينية عديدة في الدول العربية للاجئين الفلسطينيين فيما عرفت ب( دول الطوق ) .
وتميزت هذه المخيمات بالحياة العامة البدائية البسيطة بداية إنشائها حيث تكونت من الخيم وصفائح الزينكو والطين ، مع انعدام الخدمات الأساسية من المياه والكهرباء والطرق والمدارس والصحة . ثم تطورت هذه التجمعات السكانية الفلسطينية بشكل مواكب للحضارة العالمية وتحولت من بيوت زينكو إلى بيوت ذات طبقات متعددة بشكل هندسي حديث . لقد كانت المخيمات الفلسطينية نتيجة نكبة فلسطين الكبرى عام الاقتلاع الكبير 1948 ، فمثلت هذه المخيمات كارثة ومأساة وطنية كبرى نجمت عن عمليات الإرهاب الصهيوني المنظم .
وبهذا يمكن تعريف المخيم الفلسطيني بأنه تجمع سكاني فلسطيني جديد نشأ عام 1948 ، أصبح يشكل ضلعا ثالثا للمثلث الجغرافي الفلسطيني ( المدينة – القرية – المخيم ) . وهذا المخيم جمع بين ثناياه مئات أو آلاف الفلسطينيين من قرى ومدن فلسطينية مختلفة ومناطق جغرافية متباعدة ، فعاشت العائلات الفلسطينية المهجرة مع بعضها جنبا إلى جنب في سابقة هي الأولى من نوعها بالقرب من المواطنين الفلسطينيين في المدن والريف الفلسطيني . وبذلك ظهرت في المجتمع الفلسطيني ظاهرة ( المهاجرين والأنصار ) . وغني عن القول ، إن وجود المخيمات يرتبط بوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الاونروا ) التي تقدم المساعدات الإنسانية لسكان المخيمات بشكل دوري منتظم .
وتضم المخيمات الفلسطينية الآن عشرات المخيمات في الوطن والمهاجر كالآتي :
أولا : مخيمات فلسطين : مخيمات النازحين ( اللاجئين ) في الضفة الغربية وقطاع غزة .
1. مخيمات الضفة الغربية ( 19 مخيما ) كالتالي : مخيمات نابلس : عين بيت الماء ( مخيم رقم 1 ) ، بلاطة ، عسكر القديم ، عسكر الجديد . ومخيمات طولكرم : طولكرم ونور شمس . ومخيمات جنين : جنين والفارعة . وفي القدس : شعفاط ، قلنديا . ومخيمات رام الله : الجلزون ، الأمعري ، دير عمار . ومخيمات بيت لحم : الدهيشة ، وعايدة والعزة . ومخيمات الخليل : العروب ، الفوار ، بيت جبرين . ومخيمات أريحا : عين السلطان ، عقبة جبر . وهناك مخيم النويعمة قرب أريحا الذي لا يسكنه أحد الآن .
2. مخيمات قطاع غزة ( 8 مخيمات ) هي : جباليا ، مخيمات رفح ، الشاطئ ، خانيونس ، النصيرات ، البريج ، المغازي ، دير البلح .


ثانيا : مخيمات الأردن : يتوزع اللاجئون في الأردن على 10 مخيمات هي : الوحدات ( عمان الجديد ) ، البقعة ، ماركا ، جبل الحسين ، الحسن ، إربد ، الزرقاء ، الطالبية ، جرش ، سوف . وهناك لاجئون فلسطينيون يعيشون خارج المخيمات حيث سمحت لهم الحكومة الأردنية بالسكن في أي مكان يشاؤون وخاصة لحملة الجنسية الأردنية .
ثالثا : مخيمات سوريا : يتوزع اللاجئون في سوريا على 10 مخيمات هي : اليرموك ، النيرب ، خان الشيح ، حمص ، الست زينب ، جرمانا ، سبينه ، خان دندون ، حماة ، درعا .
رابعا : مخيمات لبنان : يتوزع اللاجئون على المخيمات التالية : عين الحلوة ، نهر البارد ، الرشيدية ، البرج الشمالي ، البداوي ، برج البراجنة ، شاتيلا ، صبرا ، البص ، ويفل ( بعلبك) ، المية ومية ، ضبية ، مار الياس وتل الزعتر وغيرها .



وهناك لاجئون فلسطينيون لم يسكنوا في المخيمات الفلسطينية في فلسطين أو في الدول العربية بل سكنوا في المدن الفلسطينية أو العربية أو الأوروبية أو الأمريكية الشمالية والجنوبية ويمكن القول إنهم توزعوا على مختلف دول العالم من أقصاه إلى أقصاه .
ولا بد من التمييز بين النازح واللاجئ . فالنازح هو المواطن الفلسطيني الذي هجر من بيته قسرا ، ولجأ إلى مدينة أو قرية فلسطينية داخل أرض فلسطين . وأما اللاجئ فهو المواطن الفلسطيني الذي هجر من بيته ومدينته أو قريته وخرج خارج أرض فلسطين . وعليه يمكننا القول ، إن المواطنين الفلسطينيين الذي يقيمون في المخيمات الفلسطينية أو في قرى أو مدن داخل أرض فلسطين الكبرى هم نازحون ، وإن المواطنين الفلسطينيين الذين يقيمون في المخيمات الفلسطينية أو في قرى أو مدن خارج فلسطين الكبرى هم لاجئون . فالنازح يمكن أن يتمتع بنفس الجنسية الفلسطينية التي كان يحملها ، وأما اللاجئ فيتمتع بجنسية أو وثيقة سفر فلسطينية صادرة عن بعض الدول العربية أو جواز سفر أجنبي .
ثانيا: حق عودة اللاجئين الفلسطينيين والأمم المتحدة
نجم عن الحرب العربية – الصهيونية عام 1948 ، تهجير مئات الآلاف من المواطنين العرب الفلسطينيين ، نحو مليون فلسطيني إلى خارج مواطنهم الأصلية في المدن والقرى ، وانتقال مساحات واسعة جديدة من أرض فلسطين إلى سيطرة القوات الصهيونية ، حتى أكثر مما حدده لها قرار التقسيم المجحف بحق الشعب الفلسطيني ، الصادر عن الأمم المتحدة ، عام 1947 ، حيث تبين أن نكبة فلسطين عام 1948 حولت نصف سكان البلاد الأصليين ، في فلسطين الكبرى التاريخية ، إلى لاجئين ونازحين ، في حين إن نسبة 7 ر 81 % من مجموع الفلسطينيين عام 1949 بقيت مقيمة في فلسطين ( الأرض المحتلة والضفة الغربية وقطاع غزة ) بينما توزع 3 ر18 % منهم على الدول العربية المحيطة بفلسطين [1] .
ثالثا : حق عودة الفلسطينيين وقانون عودة اليهود
على كل حال ، بقي حق المواطنة في الكيان الصهيوني ( الجنسية الإسرائيلية لسنة 1952 ، وتعديلاته عام 1958 ، وعام 1970 ، متضمنا قانون العودة الإسرائيلي لعام 1950 ) ، مقتصرا على فئات عربية محددة داخل البلاد ، وحرم النازحون واللاجئون الفلسطينيين من العودة لديارهم وظلت عملية شمول حق المواطنة أو الجنسية مفتوحا ليهود العالم أجمع . وقد منحت الجنسية الإسرائيلية بشكل كلي لليهود الذين كانوا يقيمون في فلسطين يوم سريان مفعول هذا القانون ، في 14 تموز 1952 ، وكافة اليهود الذين جاؤوا إلى فلسطين ( إسرائيل ) أو ولدوا فيها قبل إعلان قيام الدولة اليهودية واعتبروا مواطنين منذ إعلان الدولة في 14 أيار 1948 ، ومن قدم إلى إسرائيل بعد إنشائها بمجرد وصوله يعتبر مواطنا إسرائيليا [2] . وبهذا ، فان رائحة العنصرية اليهودية النتنة ما زالت تنشر رائحتها الكريهة .
وتتوالى السنين ، وتستمر عملية الاضطهاد والابتزاز والظلم والطغيان الإسرائيلية للشعب الفلسطيني ، ولكن بإدخال مواد وبنود قانونية جديدة ، أكثر تشددا تجاه الفلسطينيين ، وأكثر سهولة لأبناء الجاليات اليهودية في خارج البلاد . ففي عام 1980 عمل الكنيست الإسرائيلي ( السلطة التشريعية اليهودية ) على إجراء تعديلات جوهرية على قانون الجنسية إذ نصت المادة الخامسة من الفصل الثالث ( أ ) على أنه يجوز للمرء اكتساب " المواطنة الإسرائيلية " إذا لم يكن مواطنا في بلد مذكور في قانون منع التسلل [3] . وحسب هذا التغيير فان اللاجئين الفلسطينيين في الأردن أو لبنان أو سوريا أو مصر لا يمكنهم العودة إلى بلادهم بدعوى أنهم يحملون جنسيات أو وثائق سفر عربية وينطبق عليهم قانون منع التسلل ( العودة للبيت الفلسطيني ) . يستشف من قانون المواطنة الإسرائيلي المذكور ، وجود ثغرات ونقاط ضعف كبيرة ومتعددة تظهر عملية التمييز العنصري بين الطوائف الدينية والقومية المتعددة في البلاد : اليهود والمسلمين والمسيحيين وما يتفرع عن هذه الديانات من فروع أخرى ، وتواريخ محددة للإقامة في البلاد وهي الفترة التي تم فيها تهجير وترحيل مئات الآلاف من المواطنين العرب ، أهل البلاد الأصليين بفعل الحرب التي دارت رحاها بين العرب واليهود بين عامي 1948 – 1949 . وفي الوقت ذاته ، فإن الحكومة الإسرائيلية السابقة ( بزعامة أيهود باراك من كتلة إسرائيل واحدة ) دعت الفلسطينيين إلى الاستعانة بجهاز دولي من خارج المنطقة ، لتصميم حل لمشكلة اللاجئين العرب الفلسطينيين وتمويله وتطبيقه . عن ذلك يقول المحلل العسكري الإسرائيلي إن باراك أعلن مرارا في الكنيست عام 1999 :
" أن دولة إسرائيل لن توافق على البحث في " حق العودة " للاجئين الفلسطينيين إلى أراضيها السيادية في إطار التسوية الدائمة .. فإن إسرائيل ستكون مستعدة للتفاوض فقط على عدد اللاجئين الذين سيتمكنون من العودة إلى أراضي الكيان السياسي الفلسطيني الذي سيقوم في إطار التسوية ، وعلى التعويضات المالية والعناصر الأخرى التي ستقدم أخيرا الحل الدائم لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأوسط " [4] .
ليس ذلك فحسب ، بل إن قرارات الهجرة والاستيعاب اليهودية ، تمكن كل يهودي أن يحتفظ بجنسية الدولة الأوروبية أو الأمريكية أو الآسيوية التي قدم منها إلى جانب حصوله على الجنسية الإسرائيلية .
وبهذا فان عملية التمييز الإسرائيلية ضد الفلسطينيين أصبحت عملية تمييز مزدوجة ، لها جناحان : الأول : الحرمان من حق العودة أو الحصول على " الجنسية الإسرائيلية " .
والثاني : حظر الحصول على جنسية أخرى ، أسوة بالقادمين الجدد من اليهود . وهذا يدلل على العقلية الاستعمارية الصهيونية التي ما زالت تلقي بظلالها على نفسية وتفكير الجهات السلطوية الحاكمة في تل أبيب .
وكثيرا ما اقترح النواب العرب في الكنيست الإسرائيلي مسألة السماح ب ( لم شمل العائلات العربية ) وإجراء تعديلات على قوانين المواطنة ليتمكن المواطنون العرب في الدولة اليهودية من دعوة أفراد عائلاتهم من درجة القرابة الأولى ، الأب والأم والأخوة والأخوات وغيرهم ، من العودة إلى بلادهم كقضية إنسانية وسياسية في الوقت ذاته ، والحصول على جنسية إسرائيلية إلا أن الحكومة الإسرائيلية والأحزاب الإسرائيلية ترفض هذه الاقتراحات ، وعلى العكس ، تقدمت بعض الأحزاب اليهودية – الصهيونية باقتراحات عنصرية شوفينية مناقضة ، تتمثل في لم شمل العائلات الفلسطينية في دولة عربية كالأردن مثلا بدلا من " إسرائيل " [5] . ويذهب بعض المتطرفين العنصريين اليهود إلى القول ، إن عملية جمع شمل العائلات العربية من خارج البلاد ، من الدول العربية والسماح لهم بدخول " إسرائيل " يقوض الطابع اليهودي العبري للدولة .
لقد اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 194 لحل قضية اللاجئين الفلسطينيين في 11 كانون الأول عام 1948 . وقد جدد هذا القرار أكثر من 110 مرات بعد صدوره ، إلا أن الحكومة الإسرائيلية رفضت وترفض هذا القرار جملة وتفصيلا ، من ناحية أولية ، وترفض عودة أي لاجئ أو نازح فلسطيني إلى الجليل والمثلث والنقب والساحل التي سيطرت عليها القوات الإسرائيلية . وكانت بعض الاقتراحات دعت إلى إعادة نحو مائة ألف لاجئ فلسطيني إلى ديارهم إلا أن هذه الدعوات لم تلق أذان صاغية من حكومة الاحتلال . وقد تصارعت عدة أفكار على الساحة الإسرائيلية بشأن عودة اللاجئين الفلسطينيين أو التعويض المالي لكل أو جزء من اللاجئين ، بين اليهود والصهيونيين من جهة وبين العرب الفلسطينيين من جهة أخرى ، في الإعلام وفي الكنيست وفي المؤسسات العامة ، بالإضافة إلى سيل الاقتراحات الصادرة عن المنظمات الدولية كالأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية الآسيوية والأفريقية والأوروبية . وفي ظل التنكر اليهودي – الصهيوني للاجئين بحق العودة إلى الوطن ، الذي تغير اسمه من فلسطين إلى " إسرائيل " ، فإن المساحة التي يشغلها المستوطنون اليهود في البلاد التي أقيمت في أرجائها الدولة اليهودية العبرية ، استنادا إلى بعض الدراسات الديموغرافية تشير إلى أن : " الغالبية العظمى من يهود إسرائيل أو ما نسبته 78 % منهم يعيشون في مناطق لا تزيد مساحتها عن 15 % من الأراضي المقامة عليها الدولة العبرية " [6] . وفي عام 1950 عرضت الحكومة الإسرائيلية خطة لحل قضية اللاجئين الفلسطينيين ، تقضي بعودة مائة ألف لاجئ فلسطيني من أصل اللاجئين الذين تم تشريدهم في أعقاب حرب عام 1948 ( كارثة فلسطين القومية الكبرى ) ، من 531 قرية وبلدة ومدينة عربية فلسطينية في البلاد ، أي السماح بعودة بأقل من ثمن اللاجئين الفلسطينيين تقريبا الذين هجروا آنذاك [7] . ولا تزال الحكومة الإسرائيلية ترفض حق اللاجئين والنازحين الفلسطينيين في العودة من وراء الحدود إلى وطنهم " فلسطين " ، وترفض الاعتراف بالمسؤولية الأخلاقية والتاريخية والقانونية عن تشريد مئات آلاف منهم إلى ما وراء الحدود ، وتصر على رفضها قبول مبدأ حق العودة الذي أقرته الأمم المتحدة في قرارها رقم 194 عام 1948 . ولا ترفض السلطات الإسرائيلية عودة اللاجئين الفلسطينيين من وراء الحدود فحسب ، وإنما ترفض أيضا إعادة المهجرين إلى قراهم في داخل البلاد ، والذين يتراوح عددهم ما بين 170 ألف – 200 ألف فلسطيني ، مثل رفض عودة مواطني قريتي اقرث وبرعم في شمال البلاد إلى بيوتهم وديارهم ، إذ ترفض الحكومة الإسرائيلية الانصياع حتى لقرار المحكمة العليا الإسرائيلية في هذا الخصوص الذي اتخذته المحكمة العليا عام 1951 .
رابعا : إعلان حق العودة الفلسطيني
طالب ا















