مستقبل الحكم المحلي
في فلسطين
د. كمال إبراهيم علاونه
أستاذ العلوم السياسية
فلسطين العربية المسلمة
مقدمة
يمكن استشراف أهم احتياجات ومتطلبات تطوير نظام الحكم المحلي في فلسطين ليرتق إلى مستويات عالمية متقدمة . هذه الاحتياجات توجب اللجوء إلى استخدام طرقا عصرية متطورة تتجدد باستمرار لمواكبة احتياجات كل مرحلة من مراحل نمو واتساع أنظمة وهيئات الحكم المحلي . من صلب هذه الاحتياجات التطويرية الدائمة وضع الخطط والبرامج المتعلقة بنظام الحكم المحلي الثابتة والمؤقتة بين الحين والآخر، ومن أهم هذه الاحتياجات ما يلي : الإبقاء على قانون الحكم المحلي الجديد ، وتأسيس مجلس أو جهاز مركزي أعلى للحكم المحلي ، وإنشاء معهد الحكم المحلي الفلسطيني ، وتعزيز برامج هيئات الحكم المحلي الفلسطيني ، وتنمية شاملة ومتكاملة للريف الفلسطيني ،والتنمية الإدارية والسياسية لقيادة هيئات الحكم المحلي الفلسطيني ، وتسمية الشوارع وترقيم المساكن والعقارات الفلسطينية والإنارة العامة في المدن والقرى الفلسطينية وتشكيل مجالس مساعدة للهيئات المحلية ، إنشاء مناطق صناعية خارج المناطق السكنية ، إعادة تنظيم مواقف المركبات والأسواق التجارية والاهتمام بالسياحة الداخليةالفلسطينية .وسنتناول هذه الاحتياجات المستقبلة بشكل موجز في الفقرات التالية :
(1) الإبقاء على القانون الجديد للحكم المحلي
نظام التمثيل النسبي في الانتخابات المحلية
يعتمد القانون السابق للانتخابات المحلية الفلسطينية على الأغلبية النسبية في انتخابات مجالس الهيئات المحلية في فلسطين . هذا النظام الانتخابي يؤدي في كثير من الأحيان إلى استبعاد قطاع لا بأس به من ممثلي المواطنين الفلسطينيين في إدارة شؤونهم الداخلية المحلية في الريف الفلسطيني خاصة ، كما يؤدي إلى تحكم العشائرية والعائلية في نتائج الانتخابات المحلية بسيطرة العائلات الكبيرة على أغلب عضوية إن لم يكن كل مقاعد مجلس الهيئة المحلية وبالتالي حرمان قطاع واسع من الجمهور من حق التمثيل الإداري مع ما يسببه ذلك من امتعاض وتهميش دور فعاليات مجتمعية أو مهنية أو أكاديمية خلاقة في رفد التنمية المحلية في البلاد . فتصبح المحليات والحالة هذه عبارة عن مركز قوة عائلية – عشائرية وحرمان الفئات الصغيرة أو التي لم تستطع الحصول على عدد كبير من الأصوات في صناديق الاقتراع من المشاركة في التنمية المحلية العامة وخاصة الريفية. وبهذا فإن الأمر استدعى إجراء تعديلات على قانون رقم (5) لسنة 1996 والذي أصبح يعتمد على نظام التمثيل النسبي في الانتخابات المحلية الدورية لمجالس الهيئات المحلية مما ساعد في رفد الهيئات المحلية بدماء جديدة يمكن أن تعطي في مجال الخدمة المحلية والحيلولة دون تهميش هذه الفعاليات التنظيمية أو الإدارية أو العائلية ذات الحجم العائلي الصغير، كما إن نظام التمثيل النسبي يساهم في دخول قوائم تنظيمية نقابية مفروزة عن حركات أو أحزاب سياسية فلسطينية وطنية أوإسلامية في مجال الخدمة العامة ، وعدم التنافس الثنائي بين تنظيمين أو حركتين سياسيتين وهما في الغالب حركة فتح وحركة حماس في السيطرة على مقدرات الهيئات المحلية مع ما ينتج عن ذلك من صراع ثنائي وإبعاد الآخرين عن مجالات الخدمة الوطنية العامة في إدارة المحليات الفلسطينية، كما أتاح التعديل على قانون الإنتخابات ، فرصة لتطوير مشاركة المرأة الفلسطينية في الحياة العامة من خلال تخصيص مقعدين لها كحصة محجوز وفقاً للقانون .
(2) إنشاء مجلس مركزي للحكم المحلي الفلسطيني
من الممكن أن يسمى هذا التنظيم المحلي الأعلى ، المجلس الأعلى للحكم المحلي أو الجهاز المركزي للحكم المحلي في فلسطين ، برئاسة رئيس مجلس الوزراء وعضوية وزير الحكم المحلي ووزراء تختص وزاراتهم بالخدمات ومشاريع التنمية المحلية مثل وزارة المواصلات، وزارة التخطيط ، وزارة الحكم المحلي ، وزارة الطاقة وسلطة المياه ورؤساء بلديات كبرى واتحاد الهيئات المحلية ، ومستشارين وخبراء في الحكم المحلي وسواهم . وتكون مهمة هذا المجلس رسم السياسة المحلية العامة ووضع الخطط والبرامج لتفعيل وتطوير الخدمات الحيوية والأساسية، واقتراح قوانين وأنظمة ولوائح تنظيمية جديدة وتحويل مزيداً لاختصاصات من الحكومة المركزية للهيئات المحلية ، ومراقبة فعاليات الهيئات المحلية وتقديم النصح والإرشاد لها بمالا يخل باستقلاليتها ، والعمل على تطوير مواردها المالية الداخلية والخارجية.
(3) إنشاء معهد الحكم المحلي الفلسطيني
ويقع في أولى أولويات هذه الاحتياجات إنشاء معهد الحكم المحليالفلسطيني للمواءمة بين العلوم النظرية والتطبيقات العملية لأنظمة الحكم المحلي، فالحكم المحلي ما بين النظرية والتطبيق بحاجة إلى مواكبة التطورات العصرية المستجدةفي العالم للأخذ من ينابيع العلوم المتقدمة ليبدأ الفلسطينيون من حيث انتهى الآخرونوعدم إتباع المبدأ التقليدي القائم على التجربة والخطأ، فشعب فلسطين، وارض فلسطين عانيا من مخلفات استعمارية جمة تلاحقت عبر العصور السالفة بشتى أنواع وأشكال الاستعمار الأجنبي، الأوروبي والصهيوني. ولهذا لا بد من البدء ببداية جديدة تواكب التطورات الحضارية في مجالات الحكم المحلي للنهوض بأوضاع المجتمع المحلي الفلسطيني إلى الأمام دائما. وتكتسب عملية التدريب العملي أهمية كبرى في مجالات التنميةالمحلية في ربوع فلسطين ، وهذا التدريب لا بد من قيام معهد أو مؤسسة علمية تشرفعليه ليصون العملية العلمية قلبا وقالبا.
فالحاجة ماسة جدا لإنشاء معهد الحكم المحلي الفلسطيني أو المرصد الفلسطيني للحكم المحلي، ليكون تابعا لإحدى الجامعات الفلسطينية الكبرى ، في أحد مجالات العلوم السياسية أو الإدارة أو القانون العام، لتعزيز وتدعيم سياسة التنمية العامة والشاملة في فلسطين . ومن أهم أهداف وغايات هذا المعهد المحلي الفلسطيني المتعددة ما يلي:
أولا: تقديم الخدمات الاستشارية المتعلقة بالحكم المحلي للقائمين على هيئات الحكم المحلي في البلاد.
ثانيا: تقديم دورات دراسية نظرية وتدريبية عملية للقائمين على تدريس مواضيع الحكم المحلي أو الأفراد والقيادات التي تشارك في إدارة هيئات الحكمالمحلي في فلسطين والخارج .
ثالثا: تشجيع إجراء الأبحاث العلمية الخاصة بالحكم المحلي في فلسطين وخارجها واختيار النماذج الأنسب لفلسطين . وبهذا يصبح معهد الحكم المحلي الفلسطيني مركزا لتوثيق ودراسة أوضاع الحكم المحلي بشكل أكاديمي وعملي على أرضالواقع كأكاديمية لبحث شؤون الحكم المحلي الإدارية.
على أي حال، انسجاما مع أهداف وغايات معهد الحكم المحلي الفلسطيني، يفترض فيه أن يقوم بنشاطات تشتمل على الدورات التدريبية العملية والتدريسية النظرية في الآن ذاته لكبار موظفي الحكم المحلي في فلسطين ، وذلك ضمن برامج تدريبية مرة أو مرتين سنويا تستمر كل دورة منها مدة تتراوح مابين أربعة أسابيع وثمانية أسابيع لأولئك الذين يشغلون المراكز الأساسية في الحكم المحلي الذين لا تقل أعمارهم عن 25 سنة ولا تزيد عن 50 سنة . فمثلا يمكن أن تعقد الدورة الأولى في ربيع كل عام، والثانية في صيف أو خريف السنة ذاتها. أما بشأن هذه البرامج التدريبية في الحكم المحلي فمن الممكن أن تتضمن العمليات الإدارية في الحكم الحلي باستعمال أساليب متنوعة في التدريس والتدريب باستعمال الأفلام والحالات العملية في الحكم المحلي، أي دراسة حالات واقعية بالإضافة إلى القيام بزيارات ميدانية والمحاضرات والندوات والمؤتمرات والحلقات الدراسية أو ورش العمل المتخصصة. وتهدف هذه البرامج التدريبية إلى توسيع مدارك المعارف الإدارية للمشتغلين بشؤون الحكم المحلي بصورة عملية وترجمة دور العاملين في الحكم المحلي إلى سلوك تنظيمي تبعا للظروف البيئية المتغيرة للحكم المحلي فالبرنامج التدريبي ينبغي أن يكون مرنا قابلا للإضافة والتغيير والحذف إذا اقتضت الضرورة ذلك . وكذلك تهدف الدورات التدريبية العملية والدراسية تنمية مواهب المشتغلين في إدارة هيئات الحكم المحلي في المدن والبلدات والقرى والخرب والعزب الفلسطينية. فمهمة هذه الدورات هي عملية تجديد المعلومات والتطبيقات العملية لدى الأعضاء المنتخبين لرئاسة وعضوية هيئات الحكم المحلي في فلسطين.
من جهة أخرى ، فانه ينتظر من معهد الحكم المحلي الفلسطيني أنيساعد في حل مشكلات إدارية أو عامه تواجه هيئات الحكم المحلي من خلال مساهمات الخبراء أو على شكل فريق عمل عبر دراسة حالة محلية وإيجاد حلول ملائمة لها وتقديم اقتراحات جاهزة لتفعيل الحكم المحلي عبر مجلس تدريب الحكم المحلي Local Government Training Boardأو عبر اللجان المحلية المشكلة من البلديات الكبرى في المدن الفلسطينية.
كما أن معهد الحكم المحلي الفلسطيني ( الجامعي ) يعمل على تشجيع إجراء البحوث المتعلقة بشتى أنظمة الحكم المحلي العالمية كدراسات رسائل أوأطروحات علمية أكاديمية وتنظيمية إدارية يمكن أن تتيح أمام معديها الحصول على درجاتعلمية عليا كدرجة الماجستير أو الدكتوراه من الجامعة التي ينشئ بها هذا المعهد أو بالتنسيق والتعاون الأكاديمي مع جامعات عربية أو عالمية. وهذا الأمر يتطلب منالمعهد المذكور تعزيز علاقاته العلمية والإدارية مع الأقسام والكليات الأخرى داخل الوطن وخارجه مع المعاهد والمؤسسات الدولية المماثلة حيث تتم عملية تبادل الخبرات والزيارات مع أعضاء هيئات التدريس والتدريب العالمية واستقطاب أفضل الكفاءاتالعلمية في ميادين الحكم المحلي . وكذلك يفترض السعي لتعيين عدد مناسب من الكفاءات العلمية المدربة من الخارج.
غني عن القول، إنه من المنتظر من معهد الحكم المحلي الفلسطيني أن يقوم بإصدار مجلات علمية متخصصة وكتب تهتم بمعالجات الحكم المحلي في الوطن وخارجه، ويمكن أن تكون هذه المجلات العلمية المتخصصة تصدر فصليا أي بمعدل أربع أعداد سنويا، وكذلك إصدار تقرير سنوي عن الحكم المحلي الفلسطيني. ويمكن أن تأخذهذه الدوريات العلمية أسماء مثل دراسات الحكم المحلي الفلسطيني Palestinian Local Government Studies أو اسم التعاون التخطيطي للحكم المحلي Corporate Planning: A Review of Corporate Planning and Management in Local Government وذلك لنشرالبيانات والدراسات واللقاءات المتعلقة بشؤون الحكم المحلي للتخطيط الجماعي في الحكم المحلي وسواها . وفي هذا المجال يمكن الاستفادة من تجربة ( معهد دراسات الحكم المحلي والإدارة ) بجامعة برمنجهام في بريطانيا الذي أسس في كانون الأول 1963 موأخذ اسم Institute of Local Government Studies & Administration. ويمكن أخذما يناسب الحكم المحلي الفلسطيني من المواد الدراسية والتدريبية النظرية والعملية التي تناولها معهد دراسات الحكم المحلي والإدارة في بريطانيا ( المملكة المتحدة) لتمكين الدارس أو الباحث من نيل درجة الماجستير في الإدارة العامة بعد أن يختار 4 مواد تدرس في الشعبتين، والذي ضم شعبتي الدول النامية والمملكة المتحدة. حيث ضمت شعبة الدول النامية: تخطيط وإدارة التنمية الريفية والاستراتيجيات الإدارية الضرورية للتنمية، وديناميكية التغيير في الدول النامية، والعملية الإدارية في الدول النامية ، ودور القطاع العام في التنمية ، والإدارة المقارنة للمدن والعواصم الكبرى . في حين ضمت شعبة المملكة المتحدة : دراسة وضع السياسات العامة في الحكم المحلي وإدارة الخدمات الصحية المؤممة ، ونظرية التنظيم وتطبيقاتها في الحكم المحلي، ونظرية تمثيل القرارات الإدارية ، ودراسة البيئةالمحيطة بالحكم المحلي ، وتمويل الإدارة المحلية، وإدارةالأفراد في الحكم المحلي .
(4) تعزيز برامج هيئات الحكم المحلي
لا بد من الاستفادة من تجارب أنظمة الحكم المحلي العربية والعالمية المعاصرة، لتبدأ فلسطين من حيث انتهى الآخرون، ولا تبدأ من تجربة الصفر ، بغية الانطلاق خطوات واسعة للأمام بدلا من إتباع سياسة التجربة والخطأ التي تكلف فلسطين ، كشعب ونظام سياسي ومحلي الوقت والجهد والمال الكثير ، فتوفيراً لكل ذلك يفترض أن توضع خطط تنمية فلسطينية اقتصادية واجتماعية شاملة ، تكون وحدات الحكم المحلي سواء المدينة أو البلدة أو القرية أو المخيم والمحافظة على نطاق أوسع ثم الانطلاق نحو النظام السياسي العام بصورة موسعة ، فالبدء بالجزء أكثر جدوى من الكل، فهناك محافظات منكوبة بشكل كبير وأخرى بشكل أقل فأقل. ويمكن الاسترشاد بتجربة البرامج العربية كنموذج مماثل قابل للتطبيق وأن كان بشكل شبه متوازن.
وأهم بنود السياسة العامة الفلسطينية لإنجاح وتقوية نظام الحكم المحلي ما يلي:
أولا: تعزيز نظام الشورى الديمقراطي لحل مشكلات الحكم المحلي عبر تطوير الهيئات المحلية ( قرى ومدن ومحافظات ) كونها تختص قانونيا بتخطيط وتنفيذ مشاريع جهود ذاتية وتتعاون في تنسيق الخدمات الحكومية العامة.
ثانيا: تنمية وتشجيع أساليب الخدمة الذاتية لتنمية الريف الفلسطيني بالمشاركة الشعبية – الحكومية حيث يقدم الأهالي عنصر العمل وتقدم الحكومة التجهيزات والخامات اللازمة لإنجاز المشاريع التطويرية بدلا من الاعتماد الكلي على الحكومة المركزية.
ثالثا: تركيز الخطة المطروحة على مشكلات اقتصادية واجتماعية أساسية للمجتمع المحلي الفلسطيني بدلا من التركيز على مشكلات فردية أو تهم جماعات صغيرة ، فيفترض وضع أولويات معينة لمستويات المجتمع المحلي بالا
المزيد